بقلم : الهام المحمدي – تحولت في الزمن العجيف وانقلاب المبادئ والمفاهيم و الشعارات الكبرى إلى أزياء موسمية، وارتديت المبادئ كما ترتدى العباءات في المناسبات الخاصة، تبرز ظاهرة مؤلمة وموجعة بقدر ومثيرة للسخرية والتأمل ويتعلق الامر بظاهرة المرأة التي أدمنت الوجود في كل مكان، والاندساس في تفاصيل كل حزب، والركض المحموم خلف صخب الجمعيات والهيئات. إنها ليست مجرد مشاركة سياسية أو مدنية نبيلة ففي كثير من أبعادها حالة من الاغتراب الوجودي وهروب ناعم من الذات الحقيقية نحو أضواء زائفة لا تبقي ولا تذر.
والمفارقة الأكثر إيلاما أن اللهاث الاستعراضي خلف واجهات العمل الحزبي والمدني لا يصاحبه تفرغ حقيقي أو استقلال مادي، انما يتخذ غالبا غطاء لتناقضات يومية قاسية، فإلى جانب تلك المهام الشكلية والقشور البرتوكولية تمتهن أكثر من حرفة وجهد شاق، من الطهي للغير والعمل في المقاهي إلى غسل الصحون وتأمين لقمة العيش البسيطة بعرق الجبين.
حين نقترب من الشخصيات النسائية اللواتي يؤثثن المشهد بمشرط النقد والتعاطف في آن واحد، نصطدم بالفراغ بالفكري والمعرفي و الخواء الداخلي المهول الذي تحاولن ترقيعه بالصبر والتردد على المداولات والمؤتمرات واللقاءات. لماذا تريد أن تكون في كل صورة…؟ ولماذا يرتجف كيانها إن غابت عن اجتماع أو فعالية…؟ السر يكمن غالبا في متلازمة الخفاء، كامرأة لم تتصالح اطلاقا مع نفسها الحقيقية، فأنشأت لها بدائل من الورق والشعارات وتبحث عن الصدى لأن صوتها الداخلي أصمته السنون من التهميش أو عدم الاكتمال. تنخرط في الاحزاب بلا عقيدة صلبة ولا فهم للمبادئ السياسية ولا التنظيمية، وفي كل جمعية تتسلق بلا رسالة حقيقية، تبحث عن قطعة مفقودة من هويتها، فهي لا تدافع عن فكرة، انما تدافع عن حقها في أن ترى وتسمع ويصفق لها وترصدها الكاميرات وتلتقط لها الصور وتشعر بالانتشاء والفرح الطفولي.
أكثر ما يدمي القلب في الظاهرة، السذاجة المأساوية التي تتحرك ه العينة من النسوة، ففي عالم الأحزاب والجمعيات الذي تسيطر عليه غالبا عقليات ذكورية نفعية، لا ترى المرأة بوصفها عقلا مفكرا أو شريكا فاعلا، انما تستعمل كديكور سياسي متطور، وجودها يمنح التنظيمات شهادة حسن سير وسلوك ديمقراطي، وصورتها في الصفوف الأولى تملأ التقارير الموجهة للمانحين والقيادات الكبرى، وتستهلك طاقاتها في الحشد والتصفيق وتنظيم القاعات بينما ترسم السياسات الكبرى في الغرف المغلقة حيث لا مكان لها. إنها تقبل بكل رضا أن تكون رقما في التعداد وصوتا في صناديق الاقتراع، واكتفت من غنيمة الحضور بالقشور، ضاربة عرض الحائط بكرامتها الفكرية والإنسانية.
الغرابة والنقد الأشد مرارة يوجهان إلى الدور الذي تلعبه النساء في تشويه النضال النسوي الأصيل، فالمرأة الحرة الواعية تصنع الأثر حيث وجدت وتترك بصمتها في العمق لا في القشور، أما النموذج الاستعراضي يكرس الصورة النمطية عن المرأة ككائن يستهويه البريق الفارغ وتستهويه المناصب الشرفية والبروتوكولات الباردة. حين تتواجد المرأة في كل مكان تفقد بالضرورة عمقها في أي مكان، لتصبح مجرد ظل خفيف لا موقف لها يذكر ولا مبدأ تستميت دونه ولا فكرة تدافع عنها حين يشتد عود الخصومة، فمواقفها تتشكل حسب رغبة الحاضرين وكلماتها تفصل على قياس المنصة التي تقف عليها.
إننا لا نكتب تشفيا في النساء النطاطات، انما حسرة على طاقات إنسانية وفكرية تهدر على قارعة الأطماع الشخصية والأوهام الحزبية، فأن تكون المرأة فاعلة في مجتمعها سياسيا ومدنيا شرف عظيم وضرورة لا غنى عنها، لكن الفرق شاسع بين حضور الرسالة ورسالة الحضور، الأولى تبني وطنا وتخلق وعيا وتترك أثرا خالدا، والثانية لا تترك سوى هباء منثورا وامرأة تآكلت روحها وتركض خلف قطار لا تعلم إلى أين يغادر. آن الأوان لهذا النموذج أن يتوقف مع نفسه وقفة صدق مؤلمة ليطرح السؤال الجوهري عن هويته الحقيقية بعيدا عن أضواء المنصات وبطاقات العضوية وصفقات الجمعيات.
![]()
