بقلم : ال عشاق –من السهل جدا أن تصنع جودة صحية مثالية على الورق، لكن من أصعب الأمور أن تجد الجودة تسير على قدميها داخل أروقة المستشفى المرجعي بالخميسات. في مشهد إداري وسياسي أقرب إلى اعلان الانتصار على المرض، يطل مسؤولو القطاع الصحي باقليم الخميسات  بحديث عالي النبرة عن المشاركة في اجتماعات جهوية لتعزيز جودة الخدمات الصحية وسلامة المرضى، بينما الحقيقة الميدانية تؤكد أن الإنجاز الأكبر للمؤسسة يكمن في الحفاظ على سلامة البنايات الإسمنتية من الاكتظاظ، نظرا لغياب الأطباء والعلاج وأبسط المستلزمات الطبية.

إن المنطق الإداري الذي يدار به القطاع الصحي بالمنطقة بات يمارس نوعا من  تنظيم المواعيد وتدخلات المتدربين وتلاميذ الهلال الاحمر  اذ تتحول الجودة من ممارسة ميدانية تقاس بمعدل شفاء المرضى وتوفر الأطقم الطبية، إلى مسار بيروقراطي يقاس بعدد المخططات المعروضة وساعات النقاش في مقر مديرية العرض الاستشفائي بالرباط. فالحكامة الصحية في الإقليم اكتشفت معادلة جديدة ومبتكرة لسلامة المرضى والمتمثلة  ألا تجد طبيبا ولا  علاجا أساسا في المستشفى، وبذلك تضمن سلامة المريض  التامة من أي خطأ طبي أو تجربة علاجية غير محسوبة…

ويكشف التباين الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش عن فجوة عميقة في ترتيب الأولويات، إذ تستمر خطابات التجويد والتحسين المستمر في استهلاك الحبر وصياغة البلاغات الرنانة، في الوقت الذي يتحول فيه المريض بالخميسات إلى مجرد عابر سبيل يبحث عن سيارة إسعاف تنقله إلى مؤسسات صحية مجاورة. لقد نجحت البيروقراطية الإدارية في تحويل المستشفى إلى تحفة معمارية فارغة، تتزين بها المخططات الاستراتيجية، لكنها تبخل على المواطن بأبسط حقوقه في العلاج والتطبيب.

إن الجودة، بمفهومها الإداري الحقيقي، ليست ترفا تنظيريا يتم تبادله بين اللجان والمسؤولين في الاجتماعات المكيفة،  انما في حضور الطبيب وتوفر الدواء وتخفيف آلام المرضى داخل إقليم الخميسات. أما حصر الجودة في أطر نظرية ومخططات برسم السنوات المقبلة، فلا يعدو كون هروب إلى الأمام، واستمرار في إنتاج الوهم المؤسساتي الذي يجعل من البنايات الفارغة عنوانا لـلتحسين المستمر  الذي لا يقدم حلولا للازمة المتشعبة التي يتحمل مسؤوليتها بشكل مباشر المندوب الاقليمي للصحة، ويظل المواطن الضحية المباشرة لهندسة السياسات الصحية التي لا ترى من المرضى سوى أرقام في تقارير الجودة.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.