كثيرة هي المفاهيم التي برزت في الآونة الأخيرة كعناوين عريضة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة التي عصفت بالاتحاد السوفياتي والنظام الاشتراكي ، وانهيار جدار برلين ، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر ، النظام العالمي الجديد ، ونهاية التاريخ ، والعولمة ، وصراع الحضارات ، وراح الناس يستعملونها على الطالع والنازل ويخوضون فيها وكأنها منزلة تنزيلا لا يأتيها الشك أوالباطل من أي جانب خصوصا في الغرب وأمريكا ، بالتحديد ،هذا في الوقت الذي لا يأحذ بعضها عند فئة كثيرة من المحللين والمهتمين الا ما يكفي لإلقاء نظرة اطلاع فحسب ، فيما نجد فريقا آخر من هذه الفئة يدعو إلى إخضاع هذه المقولات وهذه المفاهيم إلى مشرحة التمحيص والتدقيق ، كما يذهب إلى ذلك المفكر التونسي المعروف عبد المجيد الشرفي ، وإذا كان في بعض الأحيان من غير المجدي فصل هذه المفاهيم عن بعضها ، لكونها تندرج في سياق منظومة فكرية واحدة ومتناغمة على أساس أن كل مفهوم في حد ذاته ما هو الا تتمة وتكملة لسابقه ولا يلغيه ، ويشكل امتدادا له ، في مناسبات عديدة ، فإن ما يستوقفني مرارا وأنا أتأمل هذه المنظومة المتداخلة والمتشابكة ، هو بالتحديد العلاقة التي تحكم هذه المفاهيم و بشكل خاص العلاقة التي تربط النظام العالمي الجديد بنهاية التاريخ ، هل هي علاقة تزامن وتواقت ، أم هناك ما هو أبعد وأعمق غورا ؟ وهل بالفعل يمثل النظام العالمي الجديد نهاية التاريخ ، أم لا يعدو ذلك أن يكون مجرد جولة من جولات التاريخ الطبيعية ، والمعركة لم تنته بعد ، والصراع سنة أبدية لا مندوحة أن تصل مداها ؟ ألم يكن العالم على مر التاريخ يسير وفق نظام عالمي ، لكن سرعان ما يزول ويندثر ؟ ثم ألم يتفطن المروجون والمتحمسون لهذه الأطروحة بأنها قد تدوولت بشكل كبير وعلى نطاق واسع في الماضي ، وترددت على ألسنة مفكرين وفلاسفة عظام ، سنأتي على ذكرهم لاحقا ، وأثبت التاريخ بطلانها وعدم جدواها ؟

من الصعوبة بمكان أن تصادف نقاشا أوحوارا حول ما بات يصطلح عليه بنهاية التاريخ دون أن يؤتى على ذكر إسم المفكر الأمريكي ذي الأصول اليابانية فرنسيس فو كوياما الذي أثار الدنيا وأقعدها منذ أن خرج كتابه إلى الوجود نهاية التاريخ وموت الإنسان الأول إلى النور ، والذي كان في البداية عبارة عن مقالة نشرت في مجلة الشؤون الخارجية ، وهذا الكتاب جاء كحد فاصل بين مرحلتين مهمتين ، ويشكل في نفس الوقت الإطار العام لمرحلة تاريخية جديدة ، مرحلة القطبية الأحادية التي أتت مباشرة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه ، وتقلص المد الماركسي في العالم وتلاشيه في بقاع عديد من المعمور ، فاسحا البساط للديموقراطية الليبرالية التي يبدو أن العالم أتاها طوعا أو كرها ، وسقط بين مخالبها ، والجدير بالذكر هو أن هذا الكتاب جاء ثمرة من ثمرات مراكز الفكر السياسي التي دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على تأسيسها إبان الحرب الباردة والتي تستقطب من خلالها خيرة المثقفين والباحثين والعلماء الأمريكيين وغير الأمريكيين الذين يعكفون ويوصلون الليل بالنار من أجل صياغة وبلورة الإستراتيجيات الأمريكية في جميع المجالات تقريبا ، سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، الا أن ما يسترعي الانتباه في جل نتائج هذه الدراسات والأبحاث هو أنها تضمر وراءها سياسات قمعية ولا إنسانية في كل مكان تتوهم أن الخطر قادم منه ، أو يشكل تهديدا على الأمن القومي الأمريكي ، هذا هو جوهر النظام العالمي الجديد الذي تقوده أمريكا وحلفاؤها الغربيون والذي يعتبر فرنسيس فوكوياما من أبرز المنظرين والمدافعين عنه باستماتة عز نظيرها . فعلاوة على ما يمثله هذا النظام من كونه يؤسس لمرحلة جديدة على مستوى العلاقات الدولية ، وتكريس إيديولوجية القطب الواحد التي لا تقهر ، ودق آخر إسفين في نعش الاشتراكية ، فإن على المستوى الميداني يتيح للقوة العسكرية الأمريكية وبعض حلفائها غزو الشعوب واحتلالها تحت مسميات مختلفة ، بعدما أصبحت الأمم المتحدة أداة طيعة بين أيدي صناع القرار الأمريكيين ، ناهيك عن سياسية الكيل بمكيالين التي تنهجها الولايات المتحدة الأمريكية حيال دول العالم الثالث المستضعفة المنضوية تحت لواء ما يسمى بدول الجنوب ،التي جعلتها هذه القوة العظمى تابعة لها ، ليس هذا وحسب ، بل تمعن في استغلال خيرات هذا الجنوب البئيس ، ونهبها لصرفها على تكاليف الحياة الباذخة ، التي تنسجم ونمط العيش الأمريكي ، وثانيا في استثمارها اقتصاديا وفي تطوير مجالها العسكري ، فلم يعد خافيا أن كل ما وصلت إليه أمريكا اليوم فجزء منه نابع من خيرات شعوب الجنوب والتي تمثل فيها بعض الدول العربية الغنية نسبة محترمة جدا للأسف الشديد .

إن الإقرار بأن حتمية النظام العالمي الجديد جارفة ولا محيد عنها ، وأنها جاءت لتخليص الإنسان من مواجعه وأوهامه ، باعتبارها حقيقية وواقعا يوميا يلمسها كل من لديه حس تاريخي يمكن بواسطته ملامسة كل التحولات والتغيرات التي تحدث هنا وهناك ، تحت شعارات وخلفيات متنوعة ، إذا كان الأمر كذلك ، فكيف نفسر التعامل الحذر الذي تبديه إزاءه العديد من القوى الدولية كمجموعة الاتحاد الأوربي مثلا ؟ بل حتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تزعم أنها رائدة هذا النظام يحدث لها أن تسجل تذبذبا في مواقفها وثقتها في هذا النظام ، وعدم الثقة الكاملة هاته لها تفسيران ، أما الأول فيفيد أن هذا النظام ولو افترضنا أنه جاء كنتاج لظروف تاريخية اختلط فيها الطبيعي بغير الطبيعي في سياق زمني معين ، الا أنه في مجمله غير مؤسس على أسس علمية سليمة وصلبة ، لأنه في النهاية يستمد قوته من استنتاجات من مراكز دراسات أو مراكز فكر ، المشرفون عليها هم بشر قد يصيبون ، كما قد يخطئون ، أما الثاني ، فيتمثل في كون أن تصريف هذا النظام لأجندته مبني أساسا على القوة والتهديد ونسج تحالفات هشة وهجينة في بعض الأحيان ، مما يجعله غير قادر على الصمود لمدة طويلة ، وبالتالي يمكن تجاوزه ، والانتقال إلى نظام جديد ، هذا من سنن التاريخ المتعارف عليها منذ الأزل ، والذي يريد تغيير مجرى التاريخ وسننه ، وسنن الطبيعة ، فهو مخطئ وواهم ، فبديهيا وعلى مر العصور ، التاريخ تتجاذبه ثلاثة عناصر أساسية ، هي الإنسان والزمن ، والطبيعة . وهذه العلاقة الثلاثية الأبعاد تحكمها بعض الحتميات والقوانين التي تعطي للإنسان الاستمرارية ، وتشكل له حوافزا للتقدم والتطور ، لهذا كانت مسيرته دائما إلى الأمام ، فالعالم كان يسير دائما وفق نظام معين يعتبر جديدا في حينه ، ويتقادم بظهور متغيرات جديدة تؤثث لنظام جديد ينهض على أنقاضه ، وهكذا دواليك ، فالمسلمون كانوا أقوياء واستطاعوا أن يفرضوا نظاما عالميا إسلاميا لعدة قرون وكانوا يسيطرون على ¾ الدنيا التي كانت معروفة آنذاك ، وكان الدينار العباسي والمرابطي المعروف آنذاك بمثابة دولار العصور الوسطى ، أما من حيث التقدم الذي عرفوه في مجال العلوم الإنسانية ، فيكفي أن ندلي بشهادة للمستشرق الألماني المعروف مارهوف ماكس لنعرف على ماذا نتحدث ، والذي قال :” كانت العلوم الإنسانية وهي في أوج عظمتها تضيء كما يضيء القمر ، فتتبدد غياهب الظلام الذي كان يلف أوربا في القرون الوسطى . ” وبناء على ذلك لم يجد الغرب غضاضة من الاعتراف بهذا التفوق الإسلامي ، مما جعله يبحث باستمرار عن منفذ لتجاوز ضغط المسلمين عليه ، وبالفعل لقد تأتى له ذلك ، مستغلا كل ما توصلت إليه الحضارة الإسلامية ، من علوم ومعرفة بشتى أنواعها ، وغني عن البيان أن جل العلوم التي يتباهى بها الغرب اليوم هي ذات جذور عربية إسلامية ، أحسن استغلالها وطورها حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن ، والمسلمون يغطون في سبات عميق خاضعين مستسلمين ، فلا هم أحيوا ماضيهم بتراثه وأمجاده ، ولا هم استطاعوا تجاوزه وأسسوا لمشاريع فكرية وعلمية وحضارية بالاعتماد على ما استجد في هذا المجال من آليات وأدوات مادية وتنظيمية أكثر حيوية وفاعلية ، فألا يمكن كل ما تتعرض إليه الأمة الإسلامية اليوم من إهانات على شتى الأصعدة كما يصفها المفكر المغربي المهدي المنجرة في كتابه الشهير الإهانة في زمن الذلقراطية حافزا وباعثا على الاستفاقة والنهوض من جديد لتحويل اتجاه التاريخ وعدم الانسياق وراء متاهات مقولة نهاية التاريخ التي يجتهد الغرب في إقناع الجميع بها ، تارة بالقوة ، وتارة بتسويق ذكي ومكثف مستندا على مختلف الوسائط ؟ فإلى أي مدى ستبقى هذه الأمة تمثل دور الضحية المغلوبة على أمرها في ظل هذا النظام الذي يشكل على حسابها ، وهي المستهدفة منه بالدرجة الأولى ؟ فمتى ستتولد إرادة عربية إسلامية قوية لبناء نظام قوي يكون في مستوى التحديات الدولية الراهنة ، وفي مستوى مستجدات قرن جديد ، الذي يبدو أكثر سوداوية وقتامة ودموية ، من الذي ودعناه .

إن النظام العالمي الجديد الذي يعتبره الكثير من المحللين فوضى دولية رغم تغنيه بالقيم الليبرالية والديموقراطية ، لا يمكن أن ينهي التاريخ ، ولا يمكن أن يميت الإنسان الأول ، مثلما لم تستطع الثورة الفرنسية التي انتصرت لحقوق الإنسان للمرة الأولى في التاريخ أن تنهيه ، هذا في الوقت الذي اعتبر الفيلسوف الألماني هيغل أن سيادة إيديولوجية هذه الثورة ستضع حدا لصراع الإيديولوجيات الأخرى ، وبالتالي سيعرف التاريخ نهايته وسيشيع إلى مثواه الأخير ، وهذا ما عناه مواطنه كارل ماركس أيضا عندما ستنتصر الشيوعية كهدف للإنسانية جمعاء ، وتسقط كافة الإيديولوجيات الأخرى ، لكن لا شيء تحقق من ذلك البتة ، والتاريخ لازال يأخذ مجراه بانسيابية تامة ، ومن هنا وجب القول أن انتصار ثورة فكرية معينة في العالم لا يمكن أن تنهي التاريخ ، بل هذه الثورات كل ما تستطيع فعله في أبعد الحدود هو حقن عجلات هذا التاريج بالمزيد من الهواء حتى يستطيع التدحرج والدوران ، فهذه الثورات لعبت حقيقة أدوارا مهمة في تحريك عجلات التاريخ ، وشكلت دافعا قويا له للسير إلى الأمام ، وتولد عن ذلك الكثير من التغييرات والأحداث ، ومن هنا نستنتج أن هذه الحركية الفكرية هي من مقومات التطور وليس العكس كما قد يستشف من بعض القراءات المؤدلجة التي تريد شرح وتفسير هذه الثورات على هواها ، ولهذا يمكن القول أن مثلما ساهم المسلمون عامة في الزمن القديم في صناعة التاريخ ، ومثلما تصنع الصين واليابان اليوم ويمكن أن نضيف إليهما بدرجة أقل الهند ، فيمكن أن تظهر في المستقبل قوى أخرى قادرة أن تجر قاطرة العالم في اتجاه المستقبل ، أما الرهان اليوم على المنظومة الغربية بقيادة أمريكا ، فلا أعتقد أن هذا الرهان سيكون مربحا ، وحتى هذا النظام الجديد الذي يقودانه فهو من دون شك إلى زوال ، ومن المؤكد سينبثق في الأفق المنظور نظام جديد ستقوده قوى أخرى ، وسيكون بخلفيات أخرى ليس بالضرورة إيديولوجية أو سياسية أو توسعية .

Loading

شارك: