في الوقت الذي تتغنى فيه الشعارات الرسمية بإصلاح المنظومة التربوية، وتحديدا تعميم وتجويد التعليم الأولي كركيزة أساسية للنهوض بالمدرسة العمومية، يعيش هذا القطاع بإقليم الخميسات على وقع مفارقة صارخة. خلف الأرقام والتقارير الوردية، يتوارى واقع مشوب بالريع والانتهازية، حيث تحول هذا الورش الوطني الاستراتيجي لدى بعض الجمعيات المحظوظة إلى دجاجة تبيض ذهبا ومصدرا للاسترزاق الاقتصادي والتموقع السياسي، في مقابل طحن الكرامة الإنسانية للمربيات والمربين.

لم يعد خافيا على المتتبعين للشأن المحلي باقليم الخميسات كيف تحول تدبير الأقسام المدمجة للتعليم الأولي في المدارس العمومية إلى كعكة يسيل لها لعاب ما يصطلح عليه بـدكاكين المجتمع المدني. بناء على شراكات مع قطاعات وصية، تتدفق الدعم والتمويلات العمومية السخية على حسابات هذه الجمعيات لتغطية الأجور، التسيير، والتجهيز والانكى ان اغلب رؤساء الجمعيات عاطلون عن العمل .

لكن، أين تذهب هذه الأموال؟ المتتبع لخرائط نفوذ هذه الجمعيات بالإقليم يجد أن العقلية التدبيرية السائدة لا علاقة لها بالبيداغوجيا أو الرسالة التربوية،  انما يحكمها منطق المقاولة الربحية السيئة الذكر: تعظيم المداخيل وتقليص النفقات إلى أقصى حد.

إذا كان رؤساء وقياديو بعض هذه الجمعيات ينعمون بامتيازات التدبير، فإن المربيات بالإقليم يمثلون الحلقة الأضعف والضحية المباشرة لهذا الريع. فرغم أنهن يشكلن العمود الفقري لهذا الورش، إلا أن واقعهن السوسيواقتصادي يعكس مأساة حقيقية تتجلى في: هزالة الأجور: رواتب متدنية غالبا ما تقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور، بل إنها في كثير من الأحيان لا تصرف بانتظام، مما يدخل هؤلاء المربيات في دوامة من العوز المالي المستمر. غياب الحماية الاجتماعية: حرمان واسع من التغطية الصحية، والتشغيل خارج مقتضيات مدونة الشغل، وغياب الاستقرار المهني تحت التهديد الدائم بـالطرد أو عدم تجديد العقد. شروط عمل قاسية: الاكتظاظ داخل الأقسام، ونقص حاد في الوسائل الديداكتيكية واللوجستيكية الضرورية لتعليم طفل في مرحلة مبكرة، مما يضطر المربيات أحيانا للاقتطاع من أجورهن الهزيلة لشراء أدوات العمل.

السؤال العميق الذي يطرحه الفاعلون التربويون والحقوقيون بالإقليم هو: أين هي لجان المراقبة والتتبع التابعة للمديرية الإقليمية بالخميسات هول تتوصل بتقارير شهرية عن الوضعية العامة  للتعليم الاولي والموارد البشرية الكلفة بعمليات التعليم  اين وباقي الشركاء…؟

إن تحول دعم التعليم الأولي إلى ريع جمعوي يسائل مباشرة آليات الحكامة والافتخاص. فالعديد من الجمعيات تكتفي بتقديم تقارير مالية وأدبية على المقاس على الأوراق، بينما على أرض الواقع يغيب الأثر الحقيقي لتلك الميزانيات الضخمة. هذا الوضع يغذي الشكوك حول وجود تواطؤات أو على الأقل غض الطرف يمنح هذه الجهات الحصانة لمواصلة استغلال المربيات والاتجار بمستقبل ناشئة الإقليم.

إن الرهان على التعليم الأولي لتقليص الفوارق الطبقية والمجالية بإقليم الخميسات لن يتحقق أبدا ما دام التدبير مفوضا لجهات ترى في الطفل رأس مال تجاري وفي المربية يدا عاملة رخيصة مكبلة بعقود قاسية.

لقد حان الوقت لقطع دابر الريع الجمعوي، وإخراج التعليم الأولي من قبضة بعض المسترزقين، وتأسيس نمط تدبير مؤسساتي مباشر، يضمن للمربيات كرامتهن وحقوقهن القانونية كاملة، ويعيد لهذا الورش الوطني هيبته وغايته النبيلة. فالتعليم ليس صفقة تجارية، وإقليم الخميسات يستحق تعليما أوليا حقيقيا، لا مشاريع ريعية تبيض ذهبا للبعض وترمي بالفتات لمن يصنعون النخبة القادمة.

Loading

شارك: