بقلم : مصطفى الزياني: بين الشعارات البراقة التي رافقت إطلاق برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كأكبر ورش ملكي لإدماج الفئات الهشة ومحاربة الفقر والاقصاء الاجتماعي والهشاشة، وبين الواقع المرير لإقليم الخميسات، مسافة شاسعة تختزلها مشاريع ولدت ميتة، وأخرى اختفت بعدما استنزفت ملايين السنتيمات من المال العام. في الوقت الحالي لم يعد الصمت مقبولا، وبات لزاما على المسؤول الأول عن الإقليم، عامل صاحب الجلالة، التحرك الحازم لاسترداد الاموال الملكية وتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ليست المرة الأولى التي يتبجح فيها القائمون على تدبير المبادرة الوطنية بالخميسات بأرقام وإحصائيات وإنجازات فوق الأوراق، غير أن النزول إلى الميدان يكشف عورة التدبير؛ دكاكين مغلقة، تجهيزات تم تفويتها أو تبديدها في ظروف غامضة، ومشاريع مدرة للدخل تحولت إلى أصول خاوية مباشرة بعد انتهاء الحفلات البروتوكولية لالتقاط الصور وتدشين المشاريع.
الاختفاء الممنهج لأثر المشاريع التنموية ليس مجرد فشل اقتصادي عادي، بانه هدر موصوف لجهود استراتيجية أرادها جلالة الملك رافعة لكرامة المواطن الزموري، مما يضع الإقليم أمام تساؤل حارق، كيف تحول برنامج التنمية البشرية إلى ريع يستفيد منه البعض دون محاسبة…؟
العمق الحقيقي للأزمة يتجاوز جشع بعض حاملي المشاريع خصوصا هؤلاء المقربين من دائرة القرار الاداري بعمالة الخميسات الذين تعاملوا مع الدعم المالي كـهبة غير مستردة لا تتبعها التزامات، ليمتد إلى منظومة المراقبة والتتبع داخل عمالة الخميسات والمصالح الخارجية. إن تفعيل المحاسبة يقتضي بالضرورة تفكيك هذه السلسلة ، مسائلة حاملة المشاريع: الذين تخلوا عن التزاماتهم وقاموا بتهريب أو بيع التجهيزات الممولة، أو تحويل النشاط لغايات شخصية. ثم مسائلة اللجان الإقليمية والمحلية للتتبع: أين كانت تقاريرها الدورية…؟ وكيف تم التأشير على نجاح مشاريع تتجه نحو الإفلاس أو الاختفاء…؟ ولا باس من استفسار الموظفون والمسؤولون الإداريون الذين صاغوا دفاتر التحملات، وتغاضوا عن الاكراهات والانزلاقات، أو تساهلوا في منح الشطر الثاني والثالث من التمويل دون التثبت من جدية الشطر الأول.
إن أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ،أموال ذات رعاية ملكية خاصة والتهاون في حمايتها انما تهاون في تنفيذ التوجيهات الملكية السامية وانطلاقا من هذه الحقيقة الاكيدة يصبح عامل إقليم الخميسات عبد اللطيف النحلي ملزما بقوة القانون والمسؤولية الأخلاقية بفتح هذا الملف الأسود عبر خطوات مستعجلة اولها المسح والتقييم الشامل عبر إرسال لجان تفتيش مستقلة لإحصاء كافة المشاريع الممولة خلال السنوات الأخيرة وتحديد المشاريع الشبحية تلك التي تحولت اموالها الى اقتناء سيارات وبقع ارضية واثاث منزلي…. دون الحديث عن عمليات استغفال اللجن المكلفة اثناء الزيارة بكراء المعدات والاليات الى حين مرور اجهزة المراقبة ، وهذه العمليات القذرة معروفة ويتحتم في هذه الحالات تفعيل مساطر الاسترجاع عن طريق اللجوء إلى القضاء الإداري والمالي لاسترداد الأموال المنهوبة من حملة المشاريع غير الملتزمين ولا باس من إحالة المتورطين على العدالة بتحريبك المتابعات القضائية في حق كل من ثبت تواطؤه من الموظفين أو لجان المراقبة بتهم تبديد أموال عامة أو التقصير العمدي في أداء الواجب.
إن إقليم الخميسات يعاني أصلا من هشاشة بنيوية وضعف في الجاذبية الاستثمارية، لا يملك ترف هدر درهم واحد من أموال التنمية وان تحرك سلطات الرقابة الإقليمية اليوم ليس مجرد إجراء إداري، انه امتحان حقيقي لمدى الالتزام بمفهوم السلطة الجديد وبداية حتمية لقطع دابر العبث بأموال المبادرة الوطنية، لتعود لاقليم الخميسات كرامته التنموية بعيدا عن صالونات الاحتفالات التي لا تقدم الحلول للازمة المتشعبة على جميع المستويات والاصعدة.
![]()
