بقلم:  الكاتب

لا يمكن مقاربة الوضع التنموي لإقليم الخميسات بكثير من الدبلوماسية لغة أو تحليلا لان جميع المقاربات اصبحت مستهلكة ومتجاوزة لا تسعف اطلاقا في وضع لبنات استراتيجية متكاملة لتصور تنموي خلاق دون هدم المعبد، فالإقليم يعيش منذ عقود ما يمكن تسميته  بالانتظارية وتدوير الازمات علما ان المنطقة جغرافيا استراتيجية غنية وثروات طبيعية وفيرة، يقابلها بؤس تنموي حاد ومؤشرات سوسيواقتصادية تضعه في ذيل ترتيب أقاليم جهة الرباط-سلا-القنيطرة.

أمام هذا الوضع، لم تعد الحلول الترقيعية أو سياسة إطفاء الحرائق تجدي نفعا ولا يمكن ان تحرك  عجلات التنمية النائمة. ومن هذا المنطلق ينبع السؤال/الصدمة،  ماذا  لو قرر  عامل اقليم الخميسات بما له من صلاحيات  الخروج عن النص التقليدي للادارة  في التعاطي مع القطاعات وضرب بقوة مكامن الضعف والخلل وخلق اوراق المصالح والنفوذ  والبيروقراطية  في مفاصل القطاعات الحيوية ونعني بهم الصحة والتعليم والامن .

القطاع الصحي والحاجة  الى  عملية جراحية لاستئصال الاورام

إن خلط الأوراق  لا يعني اطلاقا دعوة للفوضى،   انما الى تصور عقلاني يفتح الباب الى هندسة عكسية لواقع راكد  يفرز ازمات اجتماعية واقتصادية  وعمرانية وبيئية، و يحتاج  قطعا الى تفكيك لبنيات إدارية ومنتخبة تعودت على تدبير النقص بدل صناعة التنمية، ومن خلال هذه الزاوية يمكن البدا بالقطاع الصحي الذي لم  يعد بحاجة  الى المرهمات والمسكنات بل الى تدخل جراحي ناعم قادر على قلب المعادلة  لان المنظومة الصحية بالخميسات لا تعاني من نقص الموارد فحسب انما من أزمة حكامة وأخلاقيات تحولت معها المستشفيات الإقليمية والمحلية إلى محطات عبور قسري نحو مستشفيات الرباط والنواحي بحثا عن الاستشفاء  ولا يمكن تحقيق نقلة نوعية في مجال التطبيب  دون  انتقال سلطة الوصاية الإقليمية من دور المتفرج على الوضع المازوم  أو المخاطب الإداري الهادئ إلى دور المحاسب الصارم الذي يطبق القانون وتعليمات صاحب الجلالة. هذا يتطلب تفعيل المادة 102 من القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم، وضخ لجان تفتيش عاملية مشتركة غير معلنة للوقوف على نزيف غياب الأطر الطبية، والاتجار بآلام المرضى عبر دفعهم الى المصحات والعيادات الخاصة التي تحولت الى وجهة استقطاب لاطباء الاختصاص والممرضين في اوقات العمل القانونية ، و لخلق توازن  لا بد من إنهاء مفهوم الحصانة النقابية أو المهنية التي يتغطى بها بعض المتقاعسين. وخلط الأوراق هنا يعني إجبار المندوبية الإقليمية للصحة على وضع خارطة طريق جراحية تنهي ريع المواعيد الطبية وتعيد تأهيل مستعجلات الموت، وتحويل المستشفى الإقليمي  الى بنية استقبال حقيقية بيد عاملة مؤهلة بعيدا عن فتح الابواب لتلاميذ مدارس التمريض والهلال الاحمر ليتعلموا ( لحسانة في ريوس ليتامى) وهذا الامر غير مقبول لان المرضى ليسوا فئران تجارب.

 المقاربة الأمنية: تجاوز الأمن الكلاسيكي نحو جغرافيا الأمان

يقظة الأجهزة الأمنية مترهلة، لان اتساع الأحزمة الهامشية في  الخميسات   بسب النمو  الديمغرافي، خلق بيئة خصبة للجريمة المنظمة، ترويج الممنوعات وانتشار الدعارة،  واعتراض سبيل المارة باستعمال السلاح  الابيض وسلب الممتلكات الى جانب نشاط ظاهرة تكسير زجاج السيارات  دون الحديث عن تحرك عصابات مدججة بالاسحة الابيضاء للاغارة على الخصوم المحتملين في الاحياء الاخرى للقصاص . وارتفاع الجريمة  يتطلب صياغة استراتيجية أمنية مندمجة تكسر جدران الفصل بين جهاز الأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة تحت إشراف عاملي مباشر وميداني. وهذا العمل المشترك سيؤدي على المدى القريب الى ضرب شبكات المصلحة التي تغذي الجريمة والمضاربات، وتجفيف منابع اقتصاد الظل المرتبط بترويج المخدرات والخمور المهربة التي تفتك بالشباب.  وهذا المنحى المتقدم والتغيير الجذري يكمن في الانتقال من أمن رد الفعل بعد وقوع الجريمة) إلى  امن اكثر فاعلية وقوة يضع تصورا متقدما لتطهير الاحياء من الجريمة لاعادة السلم والامان للساكنة ، كما انه يعيد هيبة  المؤسسات الامنية لى الشارع العام والمحيط المدرسي.

قطاع التعليم: تفكيك الهدر المدرسي وتطهير الدعم الاجتماعي

يعتبر قطاع التعليم بالإقليم مرآة عاكسة للفوارق الطبقية والمجالية، فبينما تحاول الحواضر الصمود، يعيش العالم القروي نزيفا حادا في الهدر المدرسي خاصة  في صفوف الفتيات، بسبب غياب النقل أو رداءة دور الطالب ولمعالجة اسباب التسرب المبكر لا بد من  فتح تحقيق عميق في طرق تدبير ميزانيات الدعم الاجتماعي (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، النقل المدرسي، والإطعام). ولاباس من  إنهاء احتكار بعض الجمعيات المسيسة أو المقربة لقطاع النقل المدرسي، والتي تحوله في كثير من الأحيان إلى خزان انتخابي كاريزمي. الضرب بقوة يعني ربط استمرار أي مسؤول تربوي أو تدبيري بمدى قدرته على خفض نسب الهدر المدرسي في نفوذه الترابي، وتأهيل الفرعيات المدرسية التي لا تليق بكرامة مغرب 2026.

إن أي خطوة جريئة من هرم السلطة الإقليمية لخلط هذه الأوراق ستصطدم بلا شك بمقاومة شرسة من لوبيات مستفيدة من الوضع القائم أولئك الذين اغتنوا من ركود اقليم الخميسات وتحولوا إلى كوابح حقيقية لأي إقلاع تنموي.

إن هذا السيناريو يعد في العمق طوق النجاة الوحيد للإقليم للاقلاع الاقتصادي والاجتماعي والعمراني  والتنمية المستدامة. إن ضربة العامل القوية ستعيد للمواطن بالمنطقة ثقته في مؤسسات الدولة التي تمول باموال دافعي الضرائب، وتثبت أن القانون يعلو ولا يعلى عليه. فالإدارة الترابية اليوم لم تعد مجرد جهاز لضبط الأمن الإداري   انها الاذات الفعالة لهدم معبد الفساد السياسي والمالي والاداري وتفكيك اللوبيات العقارية. فهل يمتلك صناع القرار باقليم الخميسات شجاعة خلط الأوراق وتسمية المسميات باسمائها، أم سيستمر الإقليم في الدوران في الحلقات المفرغة من الانتظار وتصريف برامج ناقصة…؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

Loading

شارك: