لم يعد الخطر الذي يهدد الصحافة اليوم يتمثل في الذكاء الاصطناعي، إنما الجهل الذي وجد في الذكاء الاصطناعي وسيلة للتنكر في هيئة صحفي والتوقيع بالعطف على المقالات، و الانكى الحضور في المناسبات وفي اللقاءات وإشهار بطاقة أو اعتماد إعلامي دفع فيه مبلغا ماليا.
في السنوات الأخيرة، امتلأت المنصات الرقمية بأشخاص مستواهم التعليمي لا يتعدى الأقسام الابتدائية ولم يقرؤوا كتابا في أخلاقيات المهنة ولم يتمرنوا على أدبيات الكتابة، ولم ينجزوا تحقيقا واحدا، ولم يتعلموا أبسط قواعد التحقق من المعلومات، لكنهم يقدمون أنفسهم للرأي العام باعتبارهم صحفيين لا يشق لهم حرف. كل ما يملكونه القدرة على نسخ سؤال إلى تطبيق للذكاء الاصطناعي، ثم لصق الإجابة تحت أسمائهم.
الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنه لا يمنح مستعمله صفة الصحفي، تماما كما أن امتلاك آلة كاتبة لم يكن يوما كافيا ليصبح المرء روائيا. الصحافة ليست إعادة صياغة نصوص، إنما مسؤولية أخلاقية، وبحث ميداني، وتحقق من الوقائع، ومواجهة للمصادر، وقدرة على طرح الأسئلة التي يعجز الآخرون عن طرحها. أما من يكتفي بإنتاج نصوص آلية دون فهم أو تدقيق، فإنه لا يصنع صحافة، إنما يساهم في تضليل الجمهور وإغراق الفضاء الإعلامي بمحتوى بلا روح ولا قيمة.
المؤسف أن بعض هؤلاء لا يميز بين الخبر والرأي، ولا بين المصدر والإشاعة، ولا بين التحقيق والدعاية، لكنه يتحدث بثقة الخبير لأن الذكاء الاصطناعي منحه نصا ميكانيكيا جاهزا . وهنا تكمن المشكلة العميقة فالتكنولوجيا رفعت سقف الإمكانات، لكنها في الوقت نفسه كشفت هشاشة من يفتقدون الحد الأدنى من الثقافة والمعرفة المهنية.
الصحفي الحقيقي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت، وتحليل البيانات، وتوسيع آفاق البحث، لكنه لا يسلمه عقله ولا ضميره. أما الصراصير المندسة في الإعلام في إقليم الخميسات ، فيسلمونه كل شيء، ثم يوقعون باسمائهم في أسفل الصفحة.
إن أخطر ما يواجه الإعلام اليوم ليس انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، انما انتشار وهم الخبرة والتجربة والمقدرة. فالصحافة لا تكتسب بضغطة زر ونسخ ولصق المقالات، ولا بشهادة مزعومة على مواقع التواصل الاجتماعي، انما بالمعرفة، والتكوين، والنزاهة، والشجاعة في مواجهة الحقيقة.
سيبقى الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تستجيب للمطالب بفضل النقرات. أما الصحفي الحقيقي المتمرس الذي يمتلك الموهبة والمعرفة والفكر، فيظل إنسانا يمتلك عقلا ناقدا، ومسؤولية أخلاقية، وقدرة على مساءلة السلطة والوقائع. ومن يفتقد هذه الصفات، فلن يصنعه أي برنامج، مهما بلغت قدراته.
![]()
