بقلم : ال عشاق– ثمة لحظات في تاريخ الشعوب لا تقاس بحجم الأزمات الاقتصادية أو التحولات السياسية، وإنما تقاس بما يتبقى في ضمير المجتمع من قيم قادرة على جمع الناس حول فكرة واحدة اسمها الوطن. وحين يصبح السؤال عن الوطنية سؤالا مشروعا، فذلك يعني أن شيئا ما قد انكسر في العلاقة بين المواطن ووطنه.
لقد أصبح الحديث عن الوطنية اليوم أكثر حضورا من ممارستها. نسمعها في الخطب، ونقرأها في البلاغات، ونشاهدها تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، لكننا نفتقدها في تفاصيل الحياة اليومية؛ في احترام القانون، وفي صيانة المال العام، وفي الإخلاص في العمل، وفي الشعور بأن مصلحة الوطن تعلو على المصلحة الشخصية.
ليس من العيب أن يسعى الإنسان إلى تحسين ظروفه أو الدفاع عن مصالحه، فذلك حق مشروع. لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول المصلحة الخاصة إلى عقيدة، وعندما يصبح الوطن مجرد وسيلة للارتقاء الاجتماعي، أو سلما للمناصب، أو خزينة مفتوحة لتوزيع الامتيازات. عندها لا يعود الانتماء قيمة، انما يصبح صفقة، ولا تصبح الوطنية قناعة، انما وسيلة للاستثمار السياسي والاجتماعي.
لقد أنتجت سنوات طويلة من تغليب المصالح الضيقة جيلا لا يسأل: ماذا سأقدم لبلدي..؟ انما يسأل فقط، ماذا سأحصل من الوطن…؟ ومع مرور الزمن، ترسخت ثقافة ترى في الدولة مصدرا لامتيازات لا فضاء للواجبات، وفي المنصب فرصة للنفوذ لا مسؤولية للمحاسبة، وفي السلطة بابا للمكاسب لا أمانة لخدمة المواطنين.
والمؤلم أن الوطنية نفسها أصبحت، في كثير من الأحيان، ضحية للانحراف في الفهم . فمن يفضح الفساد قد يتهم بالإساءة إلى صورة الوطن، ومن يطالب بالإصلاح قد يصنف خصما، بينما يمنح المحتالون والفاسدون صكوك الوطنية ما داموا يجيدون رفع الشعارات والتزلف والتقرب من مصادر القرار وتقديم الولاء المبطن. وهكذا تختلط الأوراق، ويصبح الولاء للأشخاص بديلا عن الولاء للمؤسسات، ويصبح التصفيق أعلى صوتا من النقد المسؤول.
إن الأوطان لا تبنى بالخوف من الحقيقة، انما بالشجاعة والصراخ في مواجهتها . ولا يحميها الصمت عن الاختلالات والاكراهات والتداعيات والتاكل، انما بمحاسبة المتسببين فيها. فالوطنية ليست أن نقول إن كل شيء بخير، انما أن نرفض أن يبقى الخطأ الواضح خطأ، والفساد المستشري والمكتسح لمؤسسات واجهزة الدولة فسادا، والظلم الذي يطال الشرفاء والنزهاء ظلما. الوطنية الحقيقية لا تخاف من النقد الذي يسعى الى اظهار العيوب لتقويم الاعوجاج، لأنها تثق أن الإصلاح والتغيير أعلى درجات الوفاء للوطن.
ولعل أخطر ما نعيشه اليوم انتصار ثقافة النجاة الفردية. كل واحد يبحث عن خلاصه الخاص باي طريقة ممكنة، وعن امتيازاته الخاصة لا يهم كيف ومتى واين، وعن مستقبله الخاص، حتى لو كان على حساب المصلحة العامة. وكأن الوطن لم يعد بيتا يتقاسمه الجميع، انما سفينة يحاول كل راكب أن يستولي فيها على أكبر مساحة قبل أن يغرق الآخرون.
ومع ذلك، فإن الأمل لم ينطفئ. فما زال في الوطن رجال ونساء يرفضون المتاجرة بقيمهم بحثا عن المصالح الضيقة. موظفون يؤدون واجبهم بإخلاص رغم الإحباط والارتكاسات والتذمر ، وأطباء ومعلمون وقضاة وصحافيون وعمال يؤمنون بأن خدمة الوطن تبدأ من إتقان العمل واحترام الضمير المهني. هؤلاء لا يتصدرون العناوين، لكنهم يشكلون العمود الفقري الحقيقي للوطن.
الوطنية ليست إرثا يورث، ولا شعارا يرفع، ولا بطاقة تمنح. إنها ممارسة ونشاط يومي، تبدأ من احترام القانون، ومن الدفاع عن الحق، ومن رفض الفساد، ومن الإيمان بأن الوطن لا يعيش إلا إذا شعر كل مواطن أن له فيه حقوقا، وعليه تجاهه واجبات، فماذا سيبقى من الوطن إذا ظل كل واحد يبحث فقط عن نصيبه من الخيرات والامتيازات، دون أن يسأل نفسه، ماذا تركت للوطن…؟
إن الأمم لا تسقط حين تقل مواردها وتقل وسائل الانتاج وترتفع معدلات البطالة، انما حين تتآكل منظومتها الأخلاقية، وحين تصبح الأنانية فضيلة، والانتهازية ذكاء، والصمت عن الخطأ حكمة. أما الوطنية، فهي أن يبقى ضمير الإنسان يقظا، حتى عندما يغفو ضمير المجتمع.
![]()
