بقلم : محمد الفقير– ان القيام بجولة قصيرة بتراب جماعة والماس التابعة لإقليم الخميسات، يخيل إليك للوهلة الأولى أنك تزور واحدة من أكثر المناطق رفاهية في المغرب، فالمنطقة تنام على منجم ذهب أزرق متمثل في عيون مياهها المعدنية الشهيرة التي تغزو موائد المغاربة والاجانب ، وتدر على مالية الجماعة ملايير السنتيمات سنويا كرسوم ومداخيل قارة. غير أن جولة بسيطة في عمق الدواوير والمراكز التابعة لها تكشف عن مفارقة سريالية ،  ثراء فاحش في الأرقام والميزانيات، وبؤس وتهميش مستشريان على أرض الواقع.

التناقض الصارخ يدفع الساكنة المحلية والفعاليات المدنية إلى طرح السؤال السهل والعادي جدا، أين تبددت الملايير طيلة سنوات من التسيير الابتشاكي…؟ وكيف تحولت جماعة غنية إلى آلة لإنتاج الفقر وعزل المواطنين، في مقابل صناعة نخب ومقاولين تحولوا فجأة من العوز إلى رؤوس أموال؟؟؟؟

إن غياب الأثر التنموي والتدبير العقلاني والمسؤول لميزانية الجماعة يظهر جليا في القطاع الصحي الذي يعيش حالة من الموت السريري ، فرغم التدفقات المالية السنوية، تفتقر والماس إلى مستشفى محلي حقيقي مجهز بالتخصصات الحيوية والكوادر الطبية.  فغياب الاهتمام  بالمرفق الصحي يحول  الحالات المرضية الطارئة، أو وضعية ولادة متعسرة، إلى رحلة موت محفوفة بالمخاطر عبر مسالك وعرة صوب مستشفيات الخميسات أو الرباط وهذا ما حدث اثناء انقلاب  مركبة للنقل السري التي ادت الى موت تلاميذ وارسال اخرين الى المستعجلات.

وعلى مستوى التعليم، يعيش أبناء الدواوير معاناة يومية تنخر مستقبلهم، حيث تشتكي الساكنة من خصاص مهول في أسطول سيارات النقل المدرسي والمنعدمة في الاصل إلى جانب الطرقات المهترئة وغير المعبدة التي تتحول في فصل الشتاء إلى برك من الوحل،  هذه الاكرات في البيات التحتية يشكل جدارا منيعا أمام استكمال الأطفال لتمدرسهم، مما يرفع نسب الهدر المدرسي خاصة في صفوف الفتيات إلى مستويات قياسية لا تليق بجماعة تصنف ضمن الأغنى وطنيا.

العمق الحقيقي للأزمة في  جماعة والماس لا يكمن في ندرة الموارد،  انما في هندسة التنمية وتوجيه الدعم. يتحدث فاعلون جمعويون بمرارة عن مسار المشاريع في الجماعة، حيث غابت الرؤية الإستراتيجية لخلق تنمية مستدامة تضمن البدائل الاقتصادية، وفرص الشغل القارة للشباب، ودعم الفلاحين الصغار، لانه سادت سياسة الريع والمحسوبية في توزيع الصفقات والدعم والمشاريع غير المنتجة، مما أدى إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة يلخصها أبناء المنطقة بعبارة تحويل فقراء إلى رؤوس أموال. فمعاناة الفئات الهشة والطبقات الكادحة أصبحت بطرق ملتوية وقودا لإنعاش حسابات بنكية لجهات محظوظة، ومقاولين موالين للجهة الحاكمة في الجماعة ، ومضاربين تراكمت ثرواتهم بشكل مفاجئ ومثير للشبهات، بينما ظل المواطن البسيط غارقا في طاحونة الحاجة.

أمام المشاهد القاتمة، لم تعد الساكنة المحلية تكتفي بالشكوى الشفهية انما انتقلت إلى المطالبة بالحقوق عبر قنوات أكثر تنظيما وثمة إجماع اليوم بالمنطقة على ضرورة كسر جدار الصمت من خلال المطالبة بـافتحاص شامل وعاجل لجميع المشاريع التي برمجت طوال سنوات واستنزفت الملايير  ولاباس من توجيه  توجيه نداء عاجل إلى المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية لإيفاد لجان تفتيش لتدقيق مسارات صرف الميزانيات والمداخيل الضخمة للجماعة ، وحتى تتحقق العدالة ووقف استنزاف اموال الشعب  لا بد من  ربط المسؤولية بالمحاسبة والنبش في الصفقات العمومية وسندات الطلب التي تثير لغطا كبيرا حول جدواها ومن يستفيد منها.  وطمعا في الشفافية والنزاهة لابد من  إعادة توجيه الفائض المالي السنوي نحو الأولويات الحقيقية عن طريق اعادة اصلاح وتجهيز  المستشفى  باحدث الاجهزة الطبية وسيارات الاسعاف وتعبيد المسالك الطرقية، وتأمين النقل المدرسي الشامل لكل دواوير الجماعة دون تمييز.

إن واقع جماعة والماس يمثل نموذجا صارخا لأزمة الحكامة التدبيرية، حيث لا يعكس حجم المال حجم التنمية. إن الساكنة التي تجرعت مرارة التهميش لسنوات، لم تعد تنطلي عليها وعود المواسم الانتخابية أو المشاريع الترقيعية. الكرة الآن في مرمى سلطات الرقابة المركزية لإعادة الاعتبار لهذه المنطقة وثرواتها، فهل سينصف القانون ساكنة والماس أم ستستمر ثروات الجماعة في صناعة الأثرياء الجدد على حساب بؤس الكادحين…؟

Loading

شارك: