لم يكن الحريق الذي أتى على أجزاء من غابة الميرابو بالخميسات مجرد طارئ مناخي يضاف إلى سجل الصيف القائظ، بل كان تعرية حاسمة لمنظومة التدخل والوقاية، واختبارا ميدانيا كشف بكثير من المرارة، أن خطابات الاستعداد المسبق تتبخر عند أول مواجهة حقيقية مع بؤر اللهب. في غابة الميرابو لم تلتهم النيران مجالا حيويا  واقتربت من التهام أشجارا عمرت لعقود فحسب وانما أحرق التباطؤ في الإخماد مساحات واسعة من ثقة المواطن في جاهزية الآليات المحلية بعدما بدا مشهد الإطفاء عاجزا أمام سرعة تمدد الحريق وتهديده للمؤسسة السجنية والدور المجاورة.

المفارقة الصارخة تكمن في الفجوة العملاقة بين البلاغات الرسمية الممنهجة التي تسبق موسم الحرائق وتتحدث عن لجان اليقظة والخطط الاستباقية وهلم جرا ، وبين الواقع على الأرض الذي يترجم الاستعداد  الارتجالي بسيارات إطفاء محدودة تضطر للانسحاب من خط المواجهة لمجرد إعادة ملء خزاناتها  فالتناقض يحول التدبير الإقليمي للأزمات من استراتيجية استباقية محكمة إلى مجرد ردود أفعال لحظية تطارد النيران بدل أن تحاصرها.

إن حجم الخسارة في الميرابو  لم تكن ثقيلة لكن شكل لحظة لاظهار فشل المقاربات  التي  توجه المساءلة مباشرة نحو بنية الاستثمار في الأمن البيئي داخل الإقليم. أين هي شبكة الصهاريج المائية الموزعة استراتيجيا…؟ وأين المسالك الغابوية المفتوحة التي تسهل وصول الآليات…؟ وأين هو التنسيق الأفقي بين مختلف المتدخلين قبل اندلاع الشرارة الأولى فحضور الامن والقوات المساعدة لم يساهم في اخماد النيران لكنه ساهم في استدراج الفضوليين وهواة الفرجة المجانية…؟

الحفاظ على الثروة الغابوية ليس ترفا بيئيا وقتيا،  انه عصب اقتصادي واجتماعي لأبناء المنطقة وحماية ذاكرة جماعية لا يمكن تعويضها بقرارات ورقية متأخرة. إن الانتقال من عقلية إطفاء الحرائق بطريقة ارتجالية  بعد وقوعها إلى ثقافة منع احتراق الغابة يتطلب جرأة سياسية في ترتيب الأولويات وإعادة توجيه الميزانيات نحو التجهيز اللوجيستي والمحاسبة الفردية والمؤسساتية عن أي تقصير.

لقد شكل حريق الميرابو مرآة عاكسة لواقع تدبير السياسات العمومية محليا، واقع يثبت أن استمرار مواجهة المخاطر الكبرى بإمكانيات كلاسيكية ومحدودة بمثابة هدر للزمن وللثروات وأن صيف الخميسات القادم لن يحتمل تكرار نفس الأسئلة المؤجلة ونفس الخسائر القاسية.

Loading

شارك: