بقلم : ال عشاق –إن الضوء لا يخاصم الظلام انما يكشفه، فالسماسرة والمتسولون خلف أقنعة الزيف ليسوا سوى ظلال باهتة، لا تملك من الوجود إلا ما تمنحهم إياه عيون الغافلين. كشفهم ليس مجرد فعل صحفي، انه واجب أخلاقي لاسترداد حق الكلمة المقتحمة والثاقبة العابرة للمخيلات من لصوص الفرص، فالحقيقة كالمياه الجارية، لا تستقر فيها الشوائب مهما طال بها الزمن.
لم تعد أخطر الأزمات التي تهدد المجتمعات تتمحور حول الفقر أو البطالة أو ضعف الخدمات، انما بظهور طبقة جديدة من تجار الأزمات، أشخاص تسربوا من المدارس مبكرا يعيشون على خراب الثقة، ويزدهرون في بيئة الفوضى والضجيج ، ولا يجدون لأنفسهم مكانا إلا فوق أنقاض الحقيقة.
إنهم سماسرة الفتنة، أولئك الذين حولوا منصات التواصل الاجتماعي إلى مزاد علني تباع فيه الذمم، وتشترى فيه المواقف، ويقاس النجاح بعدد الأكاذيب التي تجد طريقها إلى عقول البسطاء وشريحة واسعة من الناس التي تستهلك ولا تغكر. لا رسالة لديهم سوى إثارة الضجيج، ولا مشروع سوى صناعة الانقسام، ولا أخلاق تحكمهم سوى منطق الربح مهما كان الثمن ولا يهم الجهة التي يصطفون الى جانبها.
هذه الفئة لا تؤمن بالحوار لأنها عاجزة عنه لانها بدون شهادات علمية، ولا تمتلك الحجة لأنها لا تعرف سوى الصراخ. تعيش على اغتيال السمعة، وتقتات على نشر الإشاعات، وتستثمر في الشك والكراهية، لأن الحقيقة بالنسبة إليها عدو، ولأن الهدوء يعني نهاية تجارتها. وأصبح بعضهم يختبئ خلف شاشة هاتف، يصنع لنفسه بطولة وهمية، ويوزع الاتهامات بلا دليل، ويشهر بالناس بلا وازع، ويحول الفضاء الرقمي إلى مستنقع من الكراهية. يتحدث باسم الشعب و المصيبة انه لا يمثل إلا مصالحه الضيقة، ويرفع شعارات النزاهة والدفاع عن المصالح المشتركة بينما يستهلك يوميا ما تبقى من رصيد الأخلاق في المجال العام.
إن أخطر ما في هؤلاء أنهم لا يقتلون الحقيقة دفعة واحدة، بل يخنقونها ببطء، حتى يصبح الكذب رأياً، والإشاعة خبراً، والافتراء ممارسة عادية، ويضيع الحد الفاصل بين النقد المسؤول والفوضى المنظمة. ولأنهم يدركون أن البناء يحتاج إلى عقل، بينما الهدم يحتاج إلى لسان منفلت، فإنهم يختارون الطريق الأسهل، التحريض بدل الإقناع، والتشهير بدل النقاش، والضجيج بدل الفكر. إنهم لا ينتجون وعيا، يصنعون قطيعا من الغاضبين، ولا يقدمون حلولا للازمات، يبيعون الوهم في كل مناسبة.
إن المجتمع الذي يسمح لسماسرة الفتنة بتوجيه الرأي العام، يفتح الباب أمام انهيار منظومة القيم. وحين يصبح صاحب الصوت الأعلى أكثر تأثيرا من صاحب الحجة الأقوى، فإن الخاسر الحقيقي ليس شخصا بعينه، انما الحقيقة نفسها.فإلى متى سيظل بعض الناس يمنحون ثقتهم لمن يتاجر بخوفهم وغضبهم…؟ وإلى متى سيظل الضجيج يقدم على أنه شجاعة، وفي نظرنا نراه إفلاسا أخلاقيا وفكريا وراءه حثالة المجتمع لا ينتج إلا مزيدا من النبش في الخلفيات وفضح المسكوت عنه ويمكن ان نسلك هذا الطريق ونعري عورات هؤلاء ونقتحم العائلة وننشر الغسيل …؟
إن الأوطان لا يبنيها أصحاب الصراخ والسماسرة والمتسولين، ولا يحميها تجار الاخبار الزائفة، ولا ينهض بها من جعلوا الضمير سلعة، والكلمة وسيلة للابتزاز، والفتنة مشروعا للاستثمار. فالتاريخ لا يخلد أصحاب الضجيج، يلفظهم عندما تنكشف حقيقة تجارتهم، ويبقى صوت الحقيقة، مهما تأخر، أعلى من كل ضجيج.
![]()
