بقلم : م.ن –بينما تطوى صفحات السجال السياسي الذي طبع مسار مشروع قانون مهنة المحاماة، وتخفت أصوات النقاشات الحادة التي شهدتها أروقة البرلمان، يجد النص التشريعي نفسه اليوم أمام محطته الأكثر حساسية وصرامة بعد الاحالة على المحكمة الدستورية. إننا بصدد الانتقال من منطق الجدل السياسي إلى منطق الضبط القانوني، حيث لا مجال للارتجال، وحيث تصبح المادة الدستورية المعيار الوحيد للبقاء أو التعديل.
لم يعد مشروع القانون مجرد ورقة عمل تخضع للتوافقات أو الضغوط، انما تحول إلى اختبار للنفاذ الدستوري. فالمحكمة الدستورية، بصفتها الحارس الأمين لسمو الدستور، تقف اليوم كحكم نهائي لا معقب على أحكامه، لتقرر ما إذا كانت مقتضيات القانون تنسجم مع روح الدستور ومبادئه، أم أنها انزلقت نحو تقييد الحقوق والحريات التي يكفلها أسمى قانون في البلاد. إن المرحلة ليست إجراء إداريا روتينيا، انما لحظة حاسمة في تاريخ المهنة. فقرار المحكمة لن يرسم فقط ملامح الممارسة المهنية للمحامين، انما سيعيد تعريف العلاقة بين السلطة التشريعية وضمانات الحق في الدفاع.
تتمتع المحكمة الدستورية بصلاحيات واسعة، تمنحها القدرة على غربلة كل مادة وكل فقرة في المشروع. فالرقابة تتجاوز الشكل لتصل إلى العمق، حيث تطرح أسئلة جوهرية: عن مدجى احترام احترم المشروع مبدأ المساواة أمام القانون ،وان تضمنت النصوص الجديدة استقلالية المحامي كشريك في تحقيق العدال، وان كانت توجد أي مقتضيات قد تفسر كتقليص لمجال الحرية الفردية أو الجماعية للمنتسبين للمهنة.
إن قرارات المحكمة تتمتع بقوة الشيء المقضي به، وهي قرارات باتة وغير قابلة لأي طعن، مما يجعلها تشكل الدستور الصغير الذي سيحكم المهنة لسنوات قادمة. إن حالة الترقب التي يعيشها الفاعلون في حقل العدالة بعد صراعات طويلة تعكس إدراكا عميقا بأننا أمام مفترق طرق. فإذا كان الفاعل السياسي حاول ممارسة دوره في التشريع، فإن القاضي الدستوري يمارس الآن دوره في الحماية. إن الرهان اليوم يتجاوز حدود النصوص، إنه رهان على دولة المؤسسات، حيث تخضع التشريعات لرقابة ذاتية ومؤسساتية تضمن عدم وجود شطط السلطة وتكرس دولة الحق والقانون.
المحاماة في غرفة الانتظار الدستورية، حيث ترفع الأقلام وتطوى الصحف في انتظار كلمة الفصل. إنها اللحظة التي تكتسي فيها المهنة ثوبها القانوني النهائي، بعيدا عن أهواء السياسة، في انتظار أن تصدر المحكمة الدستورية حكمها الذي لن يكون مجرد رأي قانوني، سيكون المظلة التي ستحمي أو تقيد أداء المحاماة في البلاد. الأنظار تتجه اليوم إلى الرباط، حيث يكتب الفصل الأخير من قصة طال انتظار نهايتها.
ويبقى السؤال الاكثر قوة وحضورا لدى المتتبعين حول مآل الاحتجاجات في حال صادقت المحكمة الدستورية على مشروع قانون مهنة المحاماة يلامس جوهر التوتر القائم حاليا بين أصحاب البدلة السوداء والسلطة التنفيذية. وبناء على التطورات الميدانية والمواقف المعلنة من قبل جمعية هيئات المحامين بالمغرب.
ويمكن قراءة المشهد من خلال الزوايا التالية، ينظر المحامون إلى الإحالة على المحكمة الدستورية كخطوة تقنية لضمان مطابقة النص للقانون الأسمى، لكنهم لا يعتبرونها بالضرورة حلا سياسيا لمطالبهم الجوهرية. هناك قناعة سائدة لدى المهنيين بأن الدستورية تبت في المقتضيات القانونية المحضة، بينما يظل جوهر الخلاف مع الحكومة متعلقا بفلسفة الإصلاح وطريقة إعداده، والتي يعتبرونها ماسة باستقلالية المهنة. فإن مصادقة المحكمة الدستورية قد تضفي شرعية قانونية على النص، لكنها لا تنهي بالضرورة حالة الاحتقان السياسي والنقابي.
تشير المعطيات الميدانية، خاصة تهديدات الجمعية بتقديم استقالات جماعية والتلويح بتصعيد غير مسبوق وإيداع البدلات، إلى أن سقف المطالب يتجاوز مجرد تعديل بنود تقنية. المحامون يرون في المشروع استهدافا لهوية المهنة، وبالتالي فإن أي قرار دستوري يمرر القانون دون استجابة للمطالب الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بالاستقلالية والحصانة ومجالات الاشتغال، قد يقرأ من قبل القواعد المهنية كهزيمة سياسية ستدفع باتجاه استمرار التوقف عن العمل أو الانتقال إلى أشكال احتجاجية أكثر حدة كالاعتصامات المفتوحة أمام البرلمان أو مؤسسات الدولة. الضغط من أجل سحب المشروع أو العودة لطاولة الحوار لتعديله عبر مسطرة تشريعية جديدة، أمر مستبعد في حالة المصادقة النهائية، مما قد يفتح الباب أمام عصيان مهني طويل الأمد.
في حال صادقت المحكمة الدستورية على المشروع، ستجد جمعية هيئات المحامين نفسها أمام خيارين صعبين ، القبول بالأمر الواقع ومحاولة فتح قنوات حوار لاحقا لتجويد المراسيم التنظيمية المرتبطة بالقانون ، الحفاظ على زخم الاحتجاجات كآلية ضغط لانتزاع وعود بتعديلات مستقبلية أو لتأخير دخول القانون حيز التنفيذ، خاصة وأن المحامين يعتبرون أنفسهم خط الدفاع الأول عن دولة الحق والقانون، وهو ما يجعلهم أكثر تمسكا بمواقفهم الرافضة لأي مساس باستقلالية مهنتهم.
إن قرار المحكمة الدستورية سيحسم الجدل القانوني حول دستورية المشروع، لكنه لن ينهي بالضرورة المعركة النضالية. فالمحامون يراهنون على الضغط الميداني والسياسي بقدر رهانهم على القضاء الدستوري. لذا، فمن المرجح أن تشهد المرحلة التي تلي صدور القرار حالة من الغليان المهني، حيث سيتحول النقاش من مناقشة المشروع إلى مواجهة التداعيات، وقد تتكثف النضالات لتصبح أكثر جذرية إذا أحست الهيئات المهنية بأن حقوق الدفاع قد تضررت بشكل لا رجعة فيه.
![]()
