هناك مخلوقات سياسية لا يمكن العثور عليها إلا في المقاهي. تجلس في الصفوف الأولى، تتحدث بثقة الفاتحين، وتوزع صكوك الوطنية والنضال، وتدين الجميع بلا استثناء. ولو استمعت إليها لظننت أن البلاد ستتغير بمجرد أن يفرغ صاحبها من فنجان قهوته التي يدفع ثمنها بعض التابعين والمخدرين بالكلام المستهلك.
ما إن تقرع أجراس جلسات مجلس الجماعة الترابية ، وتبدأ لحظة الحقيقة، حتى يحدث ما يشبه المعجزة. الأسود التي تزمجر بين الطاولات تتحول إلى قطط وديعة ، والقبضات التي ترتفع في الهواء تختفي تحت الطاولات، والألسنة التي تهاجم كل شيء تبتلعها رهبة الموقف أو حسابات المصلحة الضيقة.
كم هو رخيص ذلك النضال الذي لا يعيش إلا بين دخان السجائر وضجيج المقاهي والجلسات الخاصة التي تؤطرها الادعاءات الفارغة…! وكم هو مثير للشفقة أن يصبح بعض من يدعون الدفاع عن المواطنين مجرد ديكور داخل المؤسسات المنتخبة، حضور بالأجساد، وغياب بالمواقف، وصمت يعلو على كل الخطب الرنانة التي كانوا يلقونها خارج القاعة وبعنتريات متجاوزة.
لقد ابتكر بعض المتناضلين الذين قطر بهم السقف السياسي المخروم نوعا جديدا من البطولة، بطولة لا تكلف شيئا. بطولة تبدأ بعد احتساء القهوة، وتنتهي قبل افتتاح الجلسة. أما حين يحين وقت السؤال والمساءلة والدفاع عن مصالح الناس المشتركة، فإنهم يصابون بفقدان مفاجئ للذاكرة، وكأن الملفات التي تشعل غضبهم بالأمس أصبحت بلا قيمة في دورات المجلسس الجماعي.
المشكلة ليست في اختلاف الآراء، وانما في إفلاس المواقف المتذبذبة. فمن السهل أن تكون ثائرا أمام جمهور يصفق لك بحرارة ويطلق كلمات المديح، لكن الشجاعة الحقيقية أن تقول الكلمة نفسها داخل المؤسسة، حيث توثق في المحاضر، ويحاسب أصحابها أمام الرأي العام المحلي.
لقد مل المواطن من محترفي الأداء المسرحي، ومن هواة تبديل الأقنعة. مل من أولئك الذين يتقنون فن الخطابة أكثر مما يتقنون فن الدفاع عن مصالح الساكنة التي منحتهم الاصوات للاثارة الاكراهات والقضايا المشتركة بهمة وحماس ومسؤولية. فالمجالس ليست مسارح لاستعراض الصمت، ولا المقاهي برلمانات بديلة لإدارة الشأن العام.
فإذا كانت شجاعتك لا تتجاوز باب المقهى والجلسات الخاصة، وإذا كانت جرأتك تتبخر عند باب المجلس الجماعي، فعم تتحدث…؟ ومن تمثل…؟ ومن أقنعك أن الضجيج يصنع تاريخا سياسيا يستحق التمسك به في الاستحقاقات المقبلة…؟
التاريخ لا يكتب أسماء الذين أكثروا من الكلام ولعلعوا في الجلسات والمقاهي، انما أسماء الذين امتلكوا شجاعة الموقف في قول الحقيقة. أما البقية، فسيبقون مجرد صدى يتردد بين جدران المقاهي… ثم يختفي مع أول جلسة رسمية.
![]()
