في كل زمن يكثر فيه الضجيج و تقل فيه المنجزات الحقيقية التي تلامس مطالب شرائح المجتمع ، تظهر فئة لا تؤمن إلا بلغة واحدة، التصفيق والتهليل والبرنقة. لا يهمها من يحكم، ولا ماذا يفعل، ولا كم أخفق، فالمهم أن تبقى قريبة من المائدة، ولو كان نصيبها منها مجرد فتات. إنها طوابير المتملقين والزاحفين على البطون، أول من يصل إلى أبواب النفوذ ويقدم الولاء منبطحا، وآخر من يغادرها.
المتملق لا يحتاج إلى رأي، لأن الرأي قد يكلفه خسارة الامتياز. ولا يحتاج إلى مبدأ، لأن المبادئ لا تمنح المناصب. كل ما يحتاجه لسان يجيد المديح ورفع اكف الضراعة الى المساء، ووجه يستطيع تبديل ملامحه مع كل مسؤول جديد، وقاموس يحذف كلمة (لا) ويستبدلها بعبارات الثناء والتبرير والدفاع عن المسؤول في الحضور والغياب بل الدخول في صراعا مع الاعداء المحتملين ليظهر التبعية المطلقة.
المفارقة الساخرة أن هذه العينة المغيبة فكريايقدمون أنفسهم باعتبارهم حكماء المرحلة، بينما لا يجيدون سوى تلميع الإخفاقات وتزيين الفشل. فإذا تعطلت المشاريع قالوا إنها إنجازات، وإذا غابت المحاسبة وصفوها بالحكمة، وإذا تراجعت الخدمات في مؤسسات الشعب اعتبروها نجاحا يحتاج فقط إلى مزيد من الصبر. وهكذا تتحول الحقيقة إلى ضحية دائمة على مذبح التملق.
الأنظمة والمؤسسات لا تنهار بسبب كثرة المنتقدين، انما بسبب كثرة المصفقين والمهللين. فالمسؤول الذي لا يسمع إلا عبارات الإعجاب يعيش داخل مرآة مزيفة، يرى فيها نجاحا لا وجود له إلا في خطابات المنتفعين. وعندما تنكشف الحقائق يكون الأوان قد فات، ويكون المصفقون قد انتقلوا بالفعل إلى منصة مسؤول آخر، يرددون الخطاب نفسه بوجوه جديدة.
المتملق لا يدافع عن الأشخاص انما عن مصالحه الشخصية. يغير ولاءه بسرعة تغير موازين القوة داخل المؤسسة العمومية، ويبدل مواقفه كما يبدل ثيابه الداخلية. أما الكرامة بالنسبة له ترف لا يدر أرباحا، والاستقامة عقبة في طريق الوصول.
فإن أخطر ما يهدد أي مؤسسة ليس النقد الصريح والهادف والمسؤول ، انما ثقافة التهليل لكل قرار، وتحويل الولاء إلى سلعة، والسكوت عن الأخطاء مقابل مكاسب مؤقتة. فحين يصبح النفاق طريقا مختصرا إلى النفوذ، تصبح الكفاءة عبئا، ويغدو أصحاب المواقف غرباء في أوطانهم ومؤسساتهم.
خلاصة القول لا يصنع التاريخ طوابير المصفقين، ولا يخلد أسماء من عاشوا على الفتات. التاريخ يكتب أسماء الذين حافظوا على كرامتهم، وقالوا الحقيقة حين كان ثمنها باهظا، لأن الأوطان تبنى بالعقول الحرة، لا بالألسنة التي لا تعرف سوى المديح والانبطاح.
![]()
