بقلم : ب  سعيد- في أروقة المحاكم تزن العدالة الحقائق بميزان القانون  وعليه صدر حكم هز أوساط الرأي العام المحلي بمدينة تيفلت عامان من السجن النافذ في حق ناشط وجد نفسه بين ليلة وضحاها خلف القضبان بسبب تهم التشهير ونشر أخبار زائفة استهدفت رجال سلطة وسياسيين. وانقسمت الآراء بين من يرى في الحكم رادعا للمتجاوزين وبين من يعتبره تضييقا على حرية التعبير تبرز في الحكاية زاوية أكثر قتامة وأشد إيلاما  تتعلق بقصة الخذلان الذي سبق الحكم بأميال.

لا تكمن المأساة في الحكم انما في أولئك الذين مهدوا الطريق للسقوط.  فالذين كانوا يتلذذون بمشاهدة الناشط  يقتحم بهاتفه محرمات المؤسسات يشجعونه على بث فيديوهات النقد اللاذع ويدفعونه دفعا لمواجهة السلطة دون درع قانوني أو حصانة مؤسساتية. استغلوا حماسه وربما سذاجته ليجعلوا منه صوتا للمعارضة التي لا يجرؤون على تبنيها صفقوا له خلف شاشاتهم ومجدوا جرأته في المقاهي وحين اشتدت المحنة وتجاوز اللايف حدود التعبير إلى التشهير الذي ينهشه القانون اختفوا . تخلوا عنه في اللحظة التي احتاجهم وكانوا بالنسبة له وقودا وعندما احترقت السفينة كانوا أول الناجين تاركين إياه ليواجه المصير وحده.

من المؤسف أن يغيب الوعي بحدود الصفة فمن الضروري إدراك أن نقد الممارسات غير القانونية واجب مدني لكنه ليس ساحة مفتوحة لكل من حمل هاتفا ذكيا. هناك فرق شاسع بين النقد البناء الذي يرتكز على الحقائق وبين التشهير الذي يمس بالأشخاص والمؤسسات. سقط  الشاب في فخ البطولة الزائفة التي رسمها له أصدقاء السوء ونسي أن الكلمة التي يقذف بها في فضاء الإنترنت لا تتبخر  انما تصبح أداة إدانة موثقة. إن السنتين سجنا ليست مجرد عقوبة  انها درس قاس لمن يخلط بين حرية الرأي واستباحة الأعراض ودرس أقسى لمن يعتقد أن الشهرة الرقمية تحميه من طائلة القانون.

الواقعة تستوجب التأمل فليس من الحكمة أن يكون المرء أداة لتصفية حسابات الآخرين. يجب على كل فرد أن يسأل نفسه قبل الضغط على زر البث هل أمتلك الحجة وأمتلك الصفة والنقد يخدم الصالح العام أم يخدم أجندات مجهولة. في لحظات الأزمات لا يقف بجانبك إلا الصادق  في نصحه لا من يصفق لتهورك. إن  مدينة تيفلت لا تحتاج إلى مزيد من القابعين خلف القضبان بسبب فيديوهات الاندفاع انما تحتاج إلى أصوات واعية ومسؤولة قادرة على النقد من داخل الأطر الصحيحة لا من خلف ستائر التشهير التي لا تقتل في النهاية إلا أصحابها.

وتبقى الأنظار متجهة نحو محكمة الاستئناف كبارقة أمل أخيرة لإنصاف الشاب وتخفيف العقوبة القاسية. فالمسألة  تتجاوز النص القانوني المجرد لتلامس أبعادا إنسانية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، فالمعني رب أسرة وأب لأطفال ، كما أنه يحمل على عاتقه مسؤولية جمعوية نبيلة من خلال إطار حماية المستهلك الذي يفترض أن يكون أداة للبناء والإصلاح لا للهدم أو التشهير.

إن القناعة الراسخة لدى الكثيرين أن الفترة التي قضاها خلف القضبان كافية جدا لتشكل صدمة إيجابية، ودرسا بليغا دفعه بالتأكيد لإعادة مراجعة أوراقه وتقييم مساره. فالسجن يؤدي دوره الإصلاحي والتربوي  ولا  يجب ان يكون وسيلة لكسر مستقبله وتشريد أسرته خصوصا ان هناك العقوبات البديلة . نأمل أن تترأف المحكمة الموقرة بوضعه الاجتماعي، وتأخذ بعين الاعتبار أن الخطأ الذي ارتكبه لم يكن نابعا من دافع إجرامي، بقدر ما كان نتاج حماس مفرط، وربما افتقار للخبرة في أساليب الترافع القانوني السليم، ما يجعله في حاجة إلى فرصة ثانية ليعود إلى أحضان عائلته وإلى ممارسة عمله الجمعوي بأساليب حضارية وقانونية تخدم المجتمع ولا تضره.

إن إدراك الشاب لحجم الخطأ الذي ارتكبه، مدعوما بروح القانون التي تبحث عن التقويم لا الانتقام، يفتح الباب واسعا أمام القضاء ليصدر حكما يوازن بين ردع التجاوزات وبين الرأفة بوضع إنساني واجتماعي يستحق الالتفات، لعل  التجربة تكون نقطة تحول في حياته، تحوله من ناشط متهور إلى فاعل جمعوي حكيم ومسؤول يدرك أن قوة الكلمة تكمن في حجتها لا في صراخها، وأن خدمة المستهلك والمواطن تمر عبر المؤسسات والقنوات القانونية المتاحة وليس عبر دهاليز التشهير.

Loading

شارك: