بقلم : نور الدين كرمي –في قلب الولايات المتحدة تكتب الأساطير وتصنع أحلام هوليوود، لم تكن صافرة انطلاق مونديال 2026 مجرد إعلان عن بداية مباراة،كانت إيذانا بعودة “البرغوث” ليرسم فصول ملحمة كروية استثنائية. على مسرح عالمي، وبخطوات تختزل عقودا من السحر، أطل ليونيل ميسي، صاحب التسعة وثلاثين عاما، لا ليداعب الكرة فحسب انمال ليعيد صياغة تاريخ اللعبة. افتتح العرض بثلاثية هزت أركان الملاعب، واغلق أفواه المشككين ، مذكرا العالم بأن العظمة لا تعرف خريفا للعمر. لم نر ميسي الذي عرفناه في محطات سابقة، رأينا نسخة مشبعة بالخبرة، تمتزج فيها مراوغاته الحريرية بحدة ذكاء لا يخطئ، أهدافه في شباك الجزائر كالصاعقة التي تفتت رتابة الوداع، وتؤكد أن الأسطورة لا ترحل، بل تتجدد.
عندما يحتفل ميسي، لا يرقص بمفرده؛ إنه يبتسم ببراءة طفل يرى العالم من خلال كرة قدم، محاطا بحب أرجنتيني يتجاوز حدود العقل، حب تغذيه أهازيج الجماهير التي تهتف باسم ميسي، ومارادونا، ومجد المونديال الأخير. في تلك الأجواء المشحونة بالقدسية الكروية، تبدو الأرجنتين كجيش موحد، حيث يقاتل عشرة جنود من أجل القائد، والقائد يقاتل من أجل قصة أخيرة لا تكتمل إلا بالذهب. لم يتوقف نبض الحكاية عند الافتتاح، استمر في رحلة محفوفة بالدراما؛ ففي لقاء النمسا، تسلق ميسي قمة المجد ليحطم الرقم القياسي للأهداف في تاريخ كأس العالم، متجاوزا كل الأساطير التي سبقته. ورغم ذلك، يبقى ميسي ذلك المتواضع الذي تنهشه نيران الغضب الذاتي عند إضاعة ركلة جزاء، وكأن لسان حاله يقول إن الكمال غايته الوحيدة.
توالت فصول الملحمة، من ركلات حرة تنفذ بدقة الجراحين، إلى أهداف حاسمة في الأوقات القاتلة، وصولا إلى تلك المباراة الدرامية أمام مصر في ثمن النهائي، حيث اختبر القدر صبر الأرجنتينيين. سقط ميسي باكيا، ليس انكسارا، احتراقا من أجل حلم كان على وشك التبدد، قبل أن ينهض كطائر الفينيق ليصنع الخلاص لرفاقه. إنه سيناريو كتبه ميسي بقدميه، ليقف تييري هنري عاجزا عن التفسير، واصفا المشهد بأنه تفوق على خيال السينما، فالحقيقة في أقدام ميسي أكثر إبهارا من أي خيال.
لا يركض ميسي اليوم كما كان يفعل في ريعان شبابه، انه يمارس الصيد بذكاء المفترس الذي يعرف متى يضرب ومتى ينتظر. يترصد الهفوات، يمسح الملعب بعيون لا تغفل عن ثغرة، وينقض بلمسة واحدة تسقط أقوى الحصون. لقد منحه سكالوني حرية مطلقة، إيمانا منه بأن عبقرية ميسي لا تقيد بمهام دفاعية أو قيود تكتيكية؛ إنه المايسترو الذي يعزف في المساحات الميتة ويحيي الأمل في الثواني الأخيرة. حتى في تلك اللحظة التي ظن فيها الإنجليز أنهم قادرون على كسر جبروته في نصف النهائي، كان لميسي رأي آخر، إذ صنع هدفين في لحظات استحال فيها التنفس، ليقود الأرجنتين نحو المشهد الختامي. إنها ليست مجرد كرة قدم، انه الفصل الأخير من سيمفونية كروية، سيخلدها التاريخ كشاهد على رجل قرر أن يودع الملاعب ويكتب قصيدته الأجمل، تحت سماء ميتلايف التي تنتظر لتشهد تتويج الأسطورة بآخر فصول مجده.
![]()
