بقلم : رانية بلقاسم – تطرح اليوم مسألة تدشين مدرسة جماعتية في جماعة عين الجوهرة بإقليم الخميسات من زاوية أعمق بكثير من مجرد حدث تنظيمي أو نشاط رسمي يرأسه عامل الإقليم. إنها زاوية تسلط الضوء على التحول في فلسفة التعاطي مع العالم القروي بالمغرب، الانتقال من منطق حلول الترقيع والتجميع العشوائي للكتل الطلابية، إلى منطق بناء مراكز استقطاب تنموية متكاملة.
العالم القروي بصفة عامة، والمنطقة المحيطة بالخميسات بصفة خاصة، ظل لعقود ضحية لنموذج الفرعيات المدرسية المشتتة. نموذج لم يكن معطلا للعملية التعليمية فحسب عبر تجربة الأقسام المشتركة وتدني مستوى التحصيل، انما كان محركا رئيسيا للهدر المدرسي، لا سيما بالنسبة للفتيات اللاتي يواجهن عقبات المسالك الصعبة والتنقل الشاق. من هنا، لا ينبغي النظر إلى المدرسة الجماعاتية باعتبارها مجرد مؤسسة أكبر، انما باعتبارها إعلانا صريحا عن نهاية حقبة الفرعيات المتهالكة واعتماد تجربة المدارس الذكية المركزية التي تؤمن بيئة تعلم تكافئ تلك الموجودة في المدن.
تزداد الخطوة أهمية بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لجماعة عين الجوهرة اقليم الخميسات، التي تتحول تدريجيا من مجرد مجال قروي هامشي إلى منطقة جذابة للأنشطة الاقتصادية والصناعية بحكم موقعها الجغرافي وقربها من محاور المواصلات الكبرى. إن إرساء بنية تعليمية متطورة يعد شرطا أساسيا لتوطين الساكنة وتشجيع الاستقرار وتفادي نزيف الهجرة نحو المدن المجاورة. فلا يمكن التفكير في جلب الاستثمارات أو خلق حركية اقتصادية دون توفير التجهيزات الاجتماعية الأساسية، وفي مقدمتها مدرسة حديثة تضمن مستقبل الأبناء.
في النهاية، يرتكز التوجه على فكرة جوهرية مفادها أن الاستثمار في الرأسمال البشري بالعالم القروي المدخل الوحيد لتحقيق العدالة المجالية. عندما تتظافر جهود السلطات الإقليمية وقطاع التربية الوطنية مع باقي الشركاء المحليين لإخراج النوع من المشاريع الى حيز الوجود ، فإن الهدف لا يقتصر على تحسين مؤشرات التمدرس، انما يتعداه إلى إعادة ترميم الثقة بين المواطن القروي والمؤسسة العمومية، وتوفير مرتكز اجتماعي حقيقي يتيح لأبناء الدواوير فرصة متكافئة للمنافسة والمساهمة في بناء المستقبل.
![]()
