غالبا ما تظهر في تاريخ الجماعات البشرية منعطفات حزينة لصور ووقائع تختزل بعمق فقدان الهوية والكرامة وعزة النفس  وتذويب الشخصية المهزوزة في التفاهات ، وحين تخترق رياح الجفاف القيمي جدران الضمائر، ينقلب العرف وتختل الموازين، ليصحو إقليم الخميسات، بأرضه المعطاءة وتاريخه المجيد وأهله الأحرار، على واقع تتقافز فيه الكائنات الحربائية تحت أشعة شمس الخنوع، باحثة عن دفء النفوذ ولو على حساب ما تبقى من ماء الوجه. اذ تذوب المبادئ في أتون المصالح الضيقة، تصبح أبسط الواجبات و حضور أتفه اللقاءات العابرة مكسبا قيميا مزيفا، وشرفا عظيما يتباهى به في الشارع والحي، كمن ظفر بكنف الأمان لكنه في الأصل مسلوب من كل كرامة.

إن التملق ليس مجرد شخص عادي، انه فنان ماهر في التنكر والخداع، يتقن لغة الصمت حين يطلب الخنوع، ويجيد الهتاف الأعلى حين يعزف لحن السلطة، تراه يتبدل مع كل فصل، ويلبس لكل مقام مقالا، لا تحركه عقيدة سوى القرب من دواليب القرار، ولا يجمعه هم سوى التقاط الفتات المتساقط من موائد النفوذ الإقليمي. وفي شوارع الخميسات، تتجلى الكائنات بوجوه متعددة، تبتسم للجميع وتطعن في الضمائر وتملا السماء نقيقا وضجيجا ، تتقن فن الانحناء لتبدو أطول ومهمة في عيون البسطاء، معتقدة أن الاقتراب من كراسي السلطة يكسبه هالة من القداسة والاحترام والاهمية المفقودة متناسيا أن الهيبة الحقيقية  لا تستمد من  نشر صور  تقبيل ايادي المسؤولين، ولا من التذلل على أعتاب المكاتب المغلقة انما من المواقف المشرفة التي تحفظ الكرامة.

المفارقة المؤلمة في المشهد التملقي تلك الرغبة الجامحة في التعالي  والظهر بمظهر الشخصية المهمة على الساكنة، فحين ينجح المتزلف في الظفر بصورة مصطنعة، أوصاف عابرة، أو حضور باهت في لقاء رسمي، يتحول فجأة إلى زعيم مفترض. يحرص هذا النمط البشري على توثيق كل خطوة، وكل مصافحة، وكل ابتسامة صفراء، وكأنها وثيقة اعتماد تؤكد علو كعبه، لينظر بعد ذلك بعين الاستخفاف إلى هموم الساكنة التي ينتمي إليها أصلا، متخذا من قربه الظاهري للسلطة درعا يحميه من المساءلة، وسوطا يلوح به ليظهر بمظهر الآمر الناهي. انها  بطولة من ورق ترتعد خوفا من نسمة حقيقة، وتتلاشى أمام أول امتحان للنزاهة والكرامة الإنسانية.

إن إقليم الخميسات، بتاريخه النضالي وبأرواح رجاله ونسائه الأحرار الذين صاغوا المجد بصمت وعزة، أكبر بكثير من أن يختزل في النماذج الباهتة. فالكرامة الحقيقية لا تشترى بالصور، ولا تمنح بصكوك التزلف، والشرف الحقيقي يكمن في الوقوف إلى جانب نبض الشارع، لا في الارتزاق على جراحه. وحين تصبح الرداءة وجها مألوفا ويغدو التزلف مهارة اجتماعية، فإن الخاسر الأكبر المجتمع نفسه الذي يحتضن التفاهين، و التاريخ يعلمنا دائما أن الزبد يذهب جفاء، وأن الأصالة والانفة والعزة  وحدها، وإن وسمت طويلا بالصمت، تبقى الجذر الثابت الذي لا تهزه عواصف الحرباء ولا ألاعيب المتملقين.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.