بقلم : محمد الفقير -أعادت الخطوة السياسية الأخيرة التي أقدم عليها فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والوزير المنتدب المكلف بالميزانية خلط أوراق المشهد الحزبي المغربي برمته. فبالتحاقه الرسمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة وبصفوف مكتبه السياسي، قبيل استحقاقات 23 شتنبر التشريعية، نجح لقجع في كسر رتابة حملة انتخابية تكاد تنحصر في استقطاب ثنائي بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران. ولم تكن أجواء الدورة 32 للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة المنعقدة بمدينة سلا عادية إذ غلب عليها طابع الاحتفاء بالوافد الجديد الذي قوبل بتصفيق حار.
على المنصة الرئيسية سعت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للحزب إلى إضفاء مسحة من الدفء التنظيمي مرحبة به بلقب الأخ فوزي، غير أن العبارة التي لفتت انتباه المراقبين وحملت دلالات عميقة كانت قولها إن اليوم استثنائي لكن بعد ذلك ستكون ساعة الانضباط للجميع، رسالة مبطنة تعكس هواجس داخلية تتقاطع مع كواليس الحزب حيث تخشى قيادات بارزة أن يحدث الوزن الثقيل للرجل اختراقا جذريا في موازين القوى الداخلية وربما طموحا لاحقا نحو قيادة الهيكل الحزبي، ما يعززه الانطباع بالمغادرة السريعة لفوزي لقجع فور انتهاء المراسم الشكلية للاستقبال. وتجسدت الارتدادات السياسية للانضمام بسرعة فائقة على امتداد جغرافية المملكة، ففي الوقت الذي كان فيه الحاضرون يحتفلون بضم لقجع في سلا، كان قادة حزب التجمع الوطني للأحرار، يتقدمهم عزيز أخنوش ومحمد شوقي، يخوضون جولة ميدانية مكثفة بالأقاليم الجنوبية شملت الداخلة والعيون وطنطان. ولم تأخذ سوى دقائق معدودات بعد إعلان الانضمام حتى تغيرت نبرة الخطاب التجمعي، ومن مدينة الداخلة أطلق أخنوش هجوما سياسيا لافتا مصرحا بأنهم ليسوا في سوق انتقالات ومنتقدا غياب الأحزاب لخمس سنوات ثم البحث عن أسماء في اللحظة الأخيرة، متسائلا عن الطرف الذي سيلعبون معه ومؤكدا التوفر على عشرة آلاف منتخب ومئات الآلاف من المنخرطين. التحول الميداني أفرز واقعا جديد، إذ انزاح جزء وازن من السجال الانتخابي بعيدا عن نقد خصم الأمس عبد الإله بنكيران، ليتموضع حزب الأصالة والمعاصرة وفوزي لقجع في قلب دائرة الاستهداف والنقاش العمومي معلنا مولد ما يصطلح عليه بضربة لقجع.
وأثار التحالف تساؤلات جوهرية حول أسباب تفضيل لقجع لحزب الأصالة والمعاصرة على حساب أحزاب أخرى، ففي حزب الاستقلال كان سيواجه بنية تقليدية ومسارا نضاليا تراكميا معقدا، بينما يظل المجال الحركي والسياسي في التجمع الوطني للأحرار محكوما ومتمحورا حول الزعامة المهيمنة لعزيز أخنوش، في حين يمنح الأصالة والمعاصرة لقجع فضاء أرحب ومساحة استراتيجية لتكريس صورته كفاعل وطني بارز فضلا عن إمداد الحزب بشخصية ذات جاذبية عالية لا سيما لدى فئات الشباب بعدما شهد هزات تنظيمية سابقة. ويشير محللون إلى أن الاختيار يعيد هندسة التوازنات السياسية الكبرى عبر تخفيف حدة الاستقطاب الثنائي الحاد الذي يصور المشهد كصراع بين حزب رجال الأعمال وتيارات أخرى، مستحضرا الخلفية التأسيسية المتقاربة للحزبين في مواجهة التيارات المحافظة، لاسيما مع سعي الأصالة والمعاصرة لترسيخ موقعه كبديل مدني غير إسلامي ذي مصداقية مؤسساتية.
وينظر إلى فوزي لقجع في دوائر القرار والسياسة باعتباره نموذجا للتكنوقراط العملي القائم على النجاعة والانضباط والارتباط بالملفات الكبرى ذات الوقع المباشر على المواطن المغربي بمعزل عن الأزمات الأيديولوجية الكلاسيكية. ورغم استمرار التكهنات حول ما إذا كانت الخطوة تمهيدا لطموحات أبعد مدى كرئاسة الحكومة، فإن القراءة الموضوعية تؤكد أن الدستور يربط المنصب حصرا بتصدر الانتخابات، ومع ذلك تبقى دلالات الانضمام المفاجئ أعمق من مجرد مكسب انتخابي عابر إذ تكرس منعطفا استراتيجيا أعاد صياغة قواعد اللعبة الحزبية ومنح دينامية جديدة لم تكن في الحسبان.
![]()
