بقلم : مريم امزيل –لا يعرف فصل الشتاء في شوارع اقليم الخميسات ببرده القارس ولا فصل الصيف بحرارته اللاذعة، انما بـالموسم النضالي الذي يطل علينا فجأة كالحصان الرابح، بلا مقدمات ولا استئذان. يستيقظ أحدهم من سبات عميق، يرتدي بذلة المناضل الغيور على البلاد والعباد ، يحمل مكبر صوت يكاد صوته يطحن الحجارة، ليهتز الشارع على وقع خطابات رنانة تدعي الدفاع عن المستضعفين وحماية السلم الاجتماعي وتغيير وجه الكون في عشر دقائق ونفس اللقطات والصور تتكرر في المناسبات.  وتختفي مثلما تظهر  وتخف الحناجر، وتذوب الشعارات الحماسية تحت أشعة شمس الواقع، ليختفي البطل المغوار تماما كما يختفي بخار الماء في ظهيرة صيفية حارقة.

إن الظهور المفاجئ للأصوات الغريبة في الشارع يعكس فهما عجيبا للنضال ، فكل من استفاق  في الصباح مكبلا بالعطالة ووجد الساحة فارغة  وقلة الحيلة ينتصب مدافعا عن المصالح الجماعية المشتركة رغم انه لا يملك اي رصيد سياسي   ، فالنضال الموسمي  والمناسباتي بالنسبة لها أشبه بحفلة تنكرية مؤقتة، أو فقاعة صابون جميلة تتلألأ تحت الضوء لثوان معدودة قبل أن تنفجر في الهواء ولا يبقى منها شيء. تلك الأصوات لا ترى في الشارع فضاء حيا لتراكم الوعي، انما تستغل كل مناسبة سانحة، سواء كانت أزمة عابرة أو احتفالا رسميا، لتستعرض عضلاتها الصوتية أمام الكاميرات والهواتف المحمولة.

العمل المجتمعي الحقيقي والدفاع عن الملفات المطلبية الشائكة لا يبنى على الصراخ العشوائي في المناسبات واقتحام لقاءات حزبية لانتقاد فلان وعلان ، انما يحتاج إلى دراسة متأنية تفكك خيوط الأزمات وتفهم جذورها الاقتصادية والاجتماعية، وثقافة رصينة قادرة على مقارعة الحجة بالحجة وصياغة البدائل الممكنة، ونفس طويل وصبر استراتيجي يتحمل مطبات الطريق ووعورة المسار. لكن مناضلي المناسبات يفتقرون تماما للوقود. فبمجرد أن يتطلب الأمر حضورا يوميا، صامتا، ومضنيا في الملفات، أو حين تخلو الساحة من بهارج الأضواء ومقاطع الفيديو السريعة، تتبخر الشجاعة الثورية فجأة، ويتحول المناضل الشرس إلى متفرج صامت يراقب الأحداث من خلف شاشة هاتفه الذكي. إن الشارع بكل نبضه ووعيه الحقيقي أصبح أذكى وأقدر على التمييز بين المناضل الحقيقي الذي يحمل همومه في تفاصيل يومياته بصمت وثبات، وبين الموسمي الذي لا يظهر إلا حين يعزف لحن الصدفة. فلتستمر الأصوات الجادة في بناء الوعي بهدوء وعمق، وليترك لفرسان الشاشات وصخب المناسبات فرصة الاستمتاع باختفائهم المتجدد، فليس كل ما يصيح في الشارع ذهبا، وغالبا ما تكون تلك الهتافات مجرد جعجعة بلا طحين.

ان النضال الحقيقي لا تصنعه الجعجعات الفارغة ولا الأضواء العابرة، كما لا تحدده طبيعة المرحلة وحدها بمعزل عن صناعها. إن النضال المجتمعي الرصين يظل عملا قاعديا يوميا مستندا إلى تراكم صامت، ودراسة عميقة، والتصاق دقيق بهموم الناس وملفاتهم الحقيقية بعيدا عن صخب البدايات المزيفة ونهاياتها السريعة.

Loading

شارك: