بقلم : محمد الفقير –إذا كان الإنجاز يقاس بعدد الزيارات الرسمية، فإن إقليم الخميسات قد تحول بلا شك إلى عاصمة عالمية للطب الاستعراضي،ففي الوقت الذي تعاني فيه المرافق الصحية بالإقليم من هشاشة مزمنة ترقى إلى غياب تام لأي تطبيب حقيقي، مكتفية بلعب دور محطة إسعافات أولية مؤقتة تقتصر على تقديم الأسبرين  قبل شحن المرضى نحو المستشفيات المجاورة في رحلات عذاب مكوكية، تأتينا صحيفة ارتزاقية بمقال يصور لنا المدير العام للمجموعة الصحية الترابية يصول ويجول في جولات تفقدية متتالية كأننا أمام هبوط لبعثة علمية من ناسا فوق أرض الخميسات لا لزيارة مستشفى يفتقر لأبسط مقومات العلاج.

وفد جبار يضم أساتذة التخدير والإنعاش والولادة والأطفال والطب النفسي، تخصصات عابرة للقارات مجتمعة في جولة استعراضية والواقع أن المريض المسكين في اقليم الخميسات،ينتظر طبيبا عاما يضمد جرحا أو يوفر حقنة، يفاجأ بالطوابير والأساتذة يتأملون الجدران المتقادمة ويتبادلون النظرات حول الخصاص. هل جاء الوفد  لانجاز تقرير  أم لتقديم درس في علم الاجتماع للساكنة المعذبة…؟

زيارتان في أقل من أسبوع إيقاع ماراثوني خارق يعيد للأمل ربيعه. يبدو أن السيد المدير العام نسي هاتفه المحمول في غرفة الإنعاش أو ظن أن المشاكل الصحية المزمنة باقليم الخميسات تختفي بالتكرار. فبدل أن يترجم الوقت والجهد إلى أجهزة طبية حقيقية، وأدوية متوفرة، وأطقم تمريضية كافية تمنع نزيف الإحالات نحو الرباط أو القنيطرة، يتم استهلاك الوقت في تشخيص الحاجيات للمرة الألف. كم مرة سيعاد تشخيص مريض يعاني أصلا من التشخيص ذاته…؟ وكأن الإقليم يحتاج إلى مهندس ديكور لا إلى أطباء ومداواة فعلية.

الله أكبر على بلاغة القاموس الإداري! مقال ارتزاقي يسبح بحمد التنسيق والمواكبة والتكامل الترابي والخبرة الجامعية. كلمات رنانة وكأنها مقتطفات من دليل دبلوماسي لا من واقع صحي محلي يعج بالآهات والاكراهات القوية.  لكن الواقع المعيش يفضح البهرجات اللفظية وسقوط الملمعين في المحظور، فالمستمرون في طوابير الإحالة نحو المدن المجاورة يعيشون العذاب، وسيارات الإسعاف تلعب دور سيارات الأجرة بين الخميسات والرباط، وتكتفي البلاغات الوردية برسم لوحات سريالية عن الارتقاء بمستوى التطبيب المتقدم، والمستشفى الإقليمي يعاني خصاصا مهولا في أبسط الأدوية والمعدات ناهيك عن سيطلرة تلاميذ المدارس التمريضية على مفاصله.

إن زيارات البرستيج ومواكب الأساتذة والمسؤولين لن تداوي جراح مريض اقليم الخميسات ولن تعوض غياب التطبيب الفعلي على أرض الواقع. فالساكنة لا تحتاج إلى تشخيص متجدد يشبه أسطوانة مشروخة، انما إلى علاج جريء، حقيقي، وميداني ينهي عهد الإسعافات الأولية وشحن المرضى نحو المجهول. أما البلاغات الدسمة، فنتركها لتزين أرشيف الصحف الصفراء والاقلام المتسولة على اعتباب ابواب المسؤولين، عسى أن تشفي العليل.

Loading

شارك: