بقلم : ال عشاق –مشهد سياسي اثار  الاستغراب أكثر مما اثار  الضحك، كشفت تسريبات صوتية من اجتماع مغلق للمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار عن تطورات لافتة بطلها القيادي راشيد العلمي، فبعيدا عن الأضواء والكاميرات وبصيغة تشبه من يعيد تشكيل خارطة الحكومة من المطبخ العائلي  انخرط العلمي في هجوم لاذع على السيد فوزي لقجع ملوحا بلغة تعكس فهما خاصا جدا لميزان القوى، ومؤكدا بكل ثقة أنه سيمنعه من الاستوزار وكأن الوزارة بين يديه. واقعة في ظاهرها  تشكل زلزالا كلاميا بين حلفاء  الاغلبية الحكومية وتوترا غير مسبوق مع أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة، وفي العمق تكشف عن حقيقة مرة ومضحكة الهوة السحيقة والعميقة بين العمل السياسي النزيه القائم على البرامج والنقاشات، وبين فقه التحكم وهندسة الاستوزار كأنها لعبة تلعب فوق طاولة الصالونات السياسية المغلقة.

المثير للسخرية في التصريحات التطابق العجيب بين حقيقة تسيير الشأن العام وواقع الكواليس الحزبية، فعندما يتحول اجتماع لمؤسسة سياسية يفترض أن تناقش هموم المواطنين والقدرة الشرائية وغلاء الأسعار إلى منصة لرفض شخصي ووعيد بمنع فلان أو السماح لعلان بالدخول للحكومة، ندرك تماما لماذا يعزف المواطن عن السياسة. ويبدو أن السيد راشيد العلمي نسي أو قرر تجاهل الأمر أن تعيين الوزراء ليس هدية أو تذكرة يمنحها الحزب أو يحجبها ،  انها  مسطرة دستورية وصلاحيات واضحة، لكن في جمهورية الكواليس الحزبية تصبح صلاحيات الدستور مجرد تفاصيل صغيرة مقارنة بمزاج القيادات في الاجتماعات المغلقة.

ما أحدثه التصريح من ضجة واهتزاز في علاقات الأغلبية الحكومية يعكس بوضوح أزمة ثقة حقيقية، فمن جهة لدينا وجوه تدير قطاعات حساسة وتحقق نجاحات صغيرة ، ومن جهة أخرى لدينا عقليات حزبية تقليدية ما زالت تعتقد أن العمل السياسي مجرد غنيمة يجب تقاسمها بالولاءات، وأن الاستوزار حق حصري يوزع بناء على صراعات الأجنحة والنفوذ. أن ينتقد سياسي زميلا له في الأغلبية الحكومية يعد جزء من اللعبة الديمقراطية الطبيعية، أما أن يصل الأمر إلى حد التلويح بمنع شخص من الاستوزار وكأن الوزارة بيديه، فهذا يعكس نزعة التحكم التي تحاول دائما تفكيك مؤسسات الدولة وتحويلها إلى ممتلكات حزبية أو شخصية خاصة.

وفي النهاية، يمكننا أن نتخيل راشيد العلمي يخرج من الاجتماع المغلق وقد بدت عليه ملامح البطل المنتصر الذي أنقذ البلاد، ولربما كان على الحكومة القادمة إن استمر  نفس المنطق أن تفتح باب الترشيح في سوق أسبوعي للوزارات حيث يختار كل قيادي حزبي حقيبته المفضلة ويوزع الباقي على أصدقائه في الجلسات المغلقة. وبين العمل السياسي الحقيقي الذي يخدم المواطن وبين هندسة الاستوزار التي يمارسها البعض على طريقتهم الخاصة، تظل الحقيقة الساطعة أن الضحية الدائمة للعبث السياسي  المواطن البسيط الذي لا يملك حتى حق الاعتراض، فما بالك بمنع أو جلب وزير.

Loading

شارك: