الإحالة على التقاعد يعني عند عامة الناس انتهاء مدة الصلاحية تماما مثل المعلبات، وغالبا ما يسبب التقاعد احباطات نفسية وإفرازات جانبية تدفع الشخص إلى التقوقع على الذات والانحراف أمام انعدام مؤسسات متخصصة في تأهيل المتقاعد نفسانيا لقبول الواقع الجديد الذي فرضته عليه الشيخوخة مما يدفع بالعديد منهم إلى الانغماس الكلي في موبقات بحثا عن السعادة المؤقتة لاستعادة التوازن النفسي وملء الفراغ ، وفي المقابل نجد متقاعدين من مختلف القطاعات العمومية وشبه العمومية والقطاع الخاص يتكيفون بسرعة مع الحياة الجديدة بالانخراط في أنشطة ترفيهية رغم ندرتها أو ممارسة أنواع تجارية مختلفة في الأسواق اليومية والأسبوعية لتزجية الوقت ومنهم من تحول إلى مراهق يلاحق الفتيات في المقاهي وأمام المؤسسات التعليمية ويتعاطى المخدرات والخمور بينما آخرون وجدوا ضالتهم في جمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.
متقاعدو السلطات المحلية
من المعلوم أن العمال والبشوات والقواد بفعل مراكزهم الاجتماعية المرموقة والمتقدمة في هرم السلطة وحصولهم على امتيازات كبيرة وجعل تحت ترصفهم وإمرتهم ميزانيات ضخمة بمليارات الدراهم سنويا في مجموع تراب الإقليم يتصرفون فيها وفق خطط تنموية تفتقر في الغالب الأعم إلى الترشيد والتدبير السليم بفعل التواطؤ مع مقاولات بعينها تعرف كيف توزع الكعكة وكيف تدوس على كناش التحملات للصفقات العمومية بإيعاز من المسؤولين ، وانسجاما مع ذلك ليس هناك مسؤول رفيع المستوى في أجهزة الدولة أحيل على التقاعد من إقليم الخميسات مفلسا يعيش على الراتب الشهري فجلهم كونوا لأنفسهم ثروات خيالية من المال العام، فالأرقام المتداولة في الجمعيات المختصة تفيد أن الموظفون السامون متورطون في نهب المال العام بشكل أو بآخر،فهناك من عمل على تهريبه إلى بلدان أجنبية وفضل العيش بصفة نهائية بمعية الأولاد وهناك من قام باستثماره في مشاريع ضخمة كشركات للصيد في أعالي البحار، ومقالع الأحجار والرمال وشركات الاستيراد والتصدير والضيعات الفلاحية الممتدة على آلاف الهكتارات في ربوع المملكة والمجهزة باحث الأجهزة وبناء فيلات سكنية على ضفاف البحر وعمارات في أهم المدن المغربية ، وفئة قليلة جدا تمارس حياتها بشكل طبيعي كونها عاشت على القناعة ولم تمتد يدها إلى أموال الشعب تختلط بالناس العاديين بدون خوف من الانتقام بالنبش في الملفات القديمة ، بينما جزء آخر انخرط في ليالي المجون والعربدة بحثا عن الزمن المفقود والتماسا لراحة الضمير ومقاومة شبح الشيخوخة، أما الفئة الأوفر حظا تلك التي استثمرت أموالها في المجال السياسي عبر الانتساب إلى مؤسسات حزبية ودخول معترك الانتخابات التشريعية سعيا للحصول على مقعد في قبة البرلمان للدفاع عن مصالحها وفي نفس الاتجاه استطاع آخرون تأسيس أحزاب سياسية لا وجود لها إلا في الأوراق ولا تظهر إلا في الاستحقاقات الدستورية ، قاسمها المشترك تمييع الحياة السياسية عن طريق شراء الذمم وتزوير إرادة الناخبين وخلق لوبيات داخل المؤسسات التشريعية للإفلات من العقاب والأمثلة كثيرة ومتنوعة عن عمال وباشوات وقواد وعمداء امن انخرطوا في المجتمع المدني لحماية مصالحهم ليس إلا .
موظفو القطاعات العمومية
لا يختلف متقاعدو الوظيفة العمومية ذوي السلام الدنيا عن باقي زملائهم في الإدارات والقطاعات المشابهة في ممارسة أنشطة مماثلة فالعمل التجاري يستوعب العديد منهم والقاسم المشترك بينهم أن المشاريع الاستثمارية التي يستثمرون فيها لا تبرح فتح مخادع هاتفية ومحلبات ومكتبات أي مشاريع استهلاكية نظرا للإمكانيات المالية المحدودة بينما آخرون استثمروا في المجال الفلاحي وهذا طبعا لن يتأتى إلا بتوفر المعني على قطعة أرضية فلاحية في الجماعات القروية ونجاح التجربة يدفع هؤلاء إلى إنشاء تعاونيات فلاحية لتربية الماشية وجمع الحليب توفر دخلا مهما كما انه يوفر للمتقاعد وسيلة من وسائل تأكيد الذات والمقدرة على الإنتاج ،وهناك من فضل قضاء سحابة يومه في الحدائق العمومية والمقاهي وفي ردهات المحكمة بحثا عن مخرج لوضعيته النفسية المتازمة بحيث يتحول مع مرور الأيام إلى مرشد وعارف في الأمور القضائية والملفات وأحكامها وينتهي به المطاف غالبا إلى شاهد زور بالمقابل أو إلى فتح دكان لتحرير الشكايات والتظلمات وممارسة حرفة السمسرة في كل شيء وغالبا ما تتورط هذه الفئة في جرائم معاقب عليها القانون .
أسرة التعليم والكلمات المتقاطعة
نظرا للمستوى التعليمي الذي تحظى به أسرة التعليم والذي يؤهلها للانخراط والمشاركة الوازنة والمؤثرة في المجتمع المدني كون اغلبهم ارتبط بالعمل السياسي والنقابي لمدد طويلة فان الإحصائيات المتوفرة تشير إلى انتقال الفئة إياها إلى تأسيس جمعيات ذات توجهات واختصاصات معينة لمواصلة المشروع النضالي الذي ترى انه الأنجع لتحقيق التنمية المستدامة ومحاربة الفوارق الاجتماعية وسد الطريق طبعا على جميع أشكال الابتذال المكتسحة للعمل الجمعوي الذي تحول إلى وسيلة للارتزاق المادي والمعنوي والتدجين الذي تساهم فيه السلطة بتمويل وتقوية الجمعيات الكربونية للتحكم في جمعيات المجتمع المدني لتوجيهها حسب مشيئتها، هذه الفئة النشيطة حاولت اقتحام جميع الميادين الثقافية والرياضية والفنية والحقوقية بهدف تأسيس فعل جمعوي ينبني على المبادرة والتطوع دون البحث عن امتيازات شخصية ،لكن أمام الاختراق الكبير للمخزن للمجتمع المدني وفرض وصاية غير مسبوقة عليه تقلص عدد الجمعيات الجادة وفضل غالبية متقاعدي أسرة التعليم الانسحاب في صمت والجلوس في المقاهي والثرثرة على أمور تافهة والتناوب على قراءة الجرائد اليومية وحل الكلمات المتقاطعة ،أما الفئة المحظوظة منهم من تحولت إلى منعشين عقاريين يؤسسون الوداديات والتجزءات السكنية والتجارة في السيارات المستعملة وغيرها لكن الشيء الأكيد أن متقاعدي أسرة التعليم يعيشون بنفس الأفكار ونفس الطموحات في إعادة الاعتبار للمجتمع المدني.
.متقاعدو الأسلاك الأمنية
تعد شريحة رجال الأمن الأكثر تعرضا للتهميش، فنفور المواطنين منها بسبب الصراع التاريخي بينها وبين أحزاب الصف الوطني والديمقراطي التي ترى فيهم صورة مصغرة للقمع المسلط على الشعب ورمزا للمخبرين ومصادرة الحريات الفردية والجماعية وطبخ الملفات والمحاكمات الصورية ،هذه الصورة التي افرزها واقع سياسي في فترة زمنية معينة ماتزال حضارة بشكل عفوي في وعي المواطنين، كما أن الذاكرة الشعبية تحفظ أمثلة كثيرة ومتنوعة لعدم الثقة في المخزن والاحتراس منه ،فبفعل الإفرازات التاريخية فان متقاعدي أسلاك الأمن يعيشون وضعا خاصا وحصارا يوميا وغالبا ما يغيرون مقار سكناهم إلى وجهات مجهولة في محاولة لإعادة بناء علاقات اجتماعية جديدة وممارسة بعض الأنشطة الترفيهية الكرة الحديدية وغيرها من الرياضات الذهنية ،بينما فئة أخرى اختارت التجارة في السيارات المستعملة وفتح دكاكين لبيع الأدوات المنزلية والأجهزة الالكترونية ،أما الفئة الأخيرة فإنها اختارت الجلوس في المقاهي بفعل الشيخوخة .
من الجندية إلى التجارة تشير الأرقام المسجلة والمعطيات المستخلصة من الإحصائيات التي تجريها السلطات المحلية بين الفينة والأخرى على أن غالبية متقاعدي القوات المسلحة يوزعون أنشطتهم اليومية بين ممارسة التجارة عبر عرض المتلاشيات في الأسواق اليومية وهي سلع مستغنى عنها ومتهرئة لم تعد لها أية قيمة مالية، وغالبا ما يدفع المتقاعد من هذه الفئة إلى التجارة دفعا من قبل الأبناء والزوجة تجبنا لتعليقاته اللاذعة على تسيير شؤون البيت من ارتفاع تكاليف الحياة وضعف ذات اليد وغلاء فواتير الماء الشروب والكهرباء بسبب التدبير السيئ بل ومحاسبة الزوجة على كل كبيرة وصغيرة في المطبخ مما يخلق مشادات كلامية تهدد عش الزوجية في أكثر من مرة ،ولتجاوز الرقابة اليومية والتنابز الفارغ يتم دفع المتقاعد بشكل تدريجي بعد جمع المتلاشيات من ملابس بالية وأحذية قديمة وأواني وغيرها وبيعها في الأسواق اليومية والأسبوعية بالمنطقة التي يقطن بها المتقاعد ،ولان الأسواق الأسبوعية واليومية تعد مجالا مفتوحا للفئات الاجتماعية المختلفة فانه يتكيف بسرعة وينسج علاقات قوية مع متقاعدين آخرين رمت بهم نفس الظروف العائلية كما انها تعد بوابة حقيقية لممارسة بطالة مقنعة لكن يجد فيها المتقاعد راحة نفسانية مفقودة مما يجعله يتردد باستمرار على الأسواق بدل الجلوس بين الجدران ولعب الضامة والورق ،في جانب آخر نجد فئة من متقاعدي القوات المسلحة يعملون سائقي سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة في محاور طرقية داخل الإقليم وخارجه بحثا عن دخل إضافي لمقاومة متطلبات الحياة،أما الفئة الأخرى فإنها فضلت الانخراط في تجارة الخضروات في الزقاق والشوارع منظمين بذلك إلى جحافل الباعة المتجولين بل وتجنيد أشخاصا آخرين للقيام بنفس العمل بإقراضهم مبالغ مالية لشراء اللوازم الضرورية من عربة اليد و خضر فواكه واقتسام الأرباح ،ومنهم من فتح دكانا للحلاقة وغيرها لنفس الغرض أي الهرب من الوحدة المفروضة عليه من قبل الأبناء والأهل، وهناك فئة وجدت ضالتها في الزواج والتطليق وملاحقة النساء المتزوجات والمطلقات في الأماكن العمومية وهذه الممارسات ليس حكرا على قطاع معين من متقاعدي الإقليم بل سمة معممة على الجميع لأسباب لها علاقة مباشرة باختلال التوازن النفسي لدى المتقاعد بعد الإحالة على التقاعد .
![]()
