ليس أخبث من تحامل المقربين عليك لقتلك رمزيا ، هذا ما حصل مع المهداوي حين نصبت المشانق والانشوطة من قطيع الصحافة ليس بغرض ممارسة النقد وتصحيح مغالطات وتقويم الاعوجاج بقرع الحجة بالحجة لبناء موقف سليم تحترم فيه أخلاقيات مهنة الصحافة بل لتكسير قلم شارد وتقديمه عاريا أمام الجلادين ، أشرطة الفيديو المسربة شاهدة على مستوى الانحطاط الأخلاقي و الدناءة وقمة الحقارة التي تغوص فيها مؤسسة من المفروض أنها تمثل الصحافة والصحافيين وتدافع عن مصالحهم المشتركة أمام جميع الجهات لإعلاء شان الكلمة الحرة النافذة والمتنفذة التي تخترق الحصون لتلامس هموم الناس وقيمة الصحافي والعاملين في القطاع الأعلامي عموما.
ما جرى في لجنة الأخلاقيات بالمجلس الوطني للصحافة جريمة مكتملة الأركان وسقوط مدو للضمير الصحافي وللمشرفين على المؤسسة التي تحولت إلى مسلخ حقيقي بالنظر إلى الاتهامات الخطيرة والسيناريو الذي دبر لسحق المهداوي وعزله ليسهل تدميره إعلاميا واجتماعيا ونفسيا وهنا على الضمائر الحية التحرك لوقف النزيف الذي يتمدد ليضرب المزيد ويحاصر باقي الاقلام التي تحلم بحرية تعبير حقيقية.
فالفيديو لم يكن شهادة عابرة للوقت على انهيار وانحدار القيم الصحافية النبيلة وتفشي الممارسات القبيحة وتشكيل جبهة للتنكيل بالآخر بل إدانة جماعية للمجلس الوطني للصحافة الذي قفز فوق اختصاصاته في ممارسة الرقابة المستقلة في حماية مهنة الصحافة وشعب الصحافيين وامتهن مع سبق الإصرار والترصد عمليات تكميم الأفواه وضرب معاقل الأقلام الجادة والحرة بحثا عن الانبطاح والتبعية وتسويق الأوهام والترهيب لنيل الرضا والاستمرار في الكرسي الذي يسيل لعاب الكثيرين ممن ساهموا في تقوية هذه النماذج التي رهنت مستقبل الصحافة بل حولت المهنة إلى تجارة مربحة يستفيد منها المقربون، وهذه السلوكات أجهزت فعلا على أسماء كثيرة رفضت الاصطفاف في طابور ضباط الصف والقوات المساعدة للمتحكمين في السلطة الرابعة,
فالمجلس بدل أن ينخرط في حل النزاعات بعقلانية وتجرد باستحضار ميثاق الشرف واحترام مبدا الاختلاف انتهك بصورة فجة وبائسة المبادئ التي تأسس الإطار من اجلها وقدم زميل في المهنة إلى المقصلة ودفعه إلى الهاوية لان المجلس يتعامل وفق أجندات سياسية ومنطق الولاءات والمحسوبية والزبونية بعيدا عن الكفاءة والاستحقاق بمعنى انه يشتغل بمعزل عن القانون المنظم والمهمة التي انتدب لأجلها لتطوير القطاع والرفع من قيمة الصحافيين و النهوض بالمؤسسات الإعلامية الناشئة.
فالحوار في الفيديو محاكمة حقيقية لمستوى السلطة الرابعة في مقر ( المسلخ) بل انعكاس حقيقي لصحافة التشهير والتعرض للمخالفين والانتقاص منهم لتشويه مسارهم المهني عن طريق الابتزاز والمكر والخداع وتلفيق التهم وتجييش الاتباع لتطويع الخارج عن الصف وهو ما يشكل انهيارا أخلاقيا ونهاية فاضحة للجنة الاخلاقيات التي حاولت حجب الحقائق المزعجة وتكرس طبعا الرواية الواحدة التي تخدم المصالح الضيقة وتشكل وعي إعلامي مزيف مما يهدد في العمق مهنة الصحافة الجادة والمسؤولة– ان كانت هناك فعلا بمعايير الاستقلالية والنزاهة– ويقوض الرصيد الجماهيري للقارئ والمتتبع وضرب صريح وواضح للثقة والمصداقية للمادة الإعلامية.
الفضيحة المدوية للفيديو يسائل الجميع كل من موقعه سعيا الى تكريس الديمقراطية والشفافية والنزاهة واستحضار الضمير في المؤسسات المشرفة على القطاع الصحافي التي فقدت الاستقلالية واصبح متحكما فيها عن بعد ولم يعد دورها يقتصر على حماية الرسالة الإعلامية بل تقليم أظافر المغضوب عليهم بمعنى خيانة الأمانة الصحافية والدفاع عن توجهات تخدم طبعا أجندات سياسية .
هذه الفضيحة المدوية طرحت لدى الرأي العام الوطني سؤالا خطيرا ووجوديا لمستقبل الصحافة في المغرب لأنها تفكك المشهد العام لدور الصحافة في المجتمع وتطرح أيضا سؤالا عن قيمة هؤلاء المشرفين على المؤسسات المسؤولة على القطاع وسؤال آخر اكثر دقة عن قيمة الصحافيين انفسهم في عيون هذه اللجن التي تشتغل بمنطق أقصائي.
الفضيحة فتحت نقاشا قويا و دفعت جهات سياسية وحقوقية متعددة إلى تبني الملف واعتباره يمس بقطاعات متعددة ويسيء إليها كما أن عشرات الصحافيين وقعوا عريضة تضامنية مع المهداوي وطالبوا بضرورة فتح تحقيق في جميع معاملات المجلس الوطني للصحافة المؤقت بل المطالبة بحله لانه لا يمثل الصحافيين بل جهات سياسية متحكمة في القرار السياسي بالوطن كما انه ساهم في تشرذم القطاع وتفكيك وحدته امام غياب الحكامة وانهيار الاخلاق بل يعد حلقة اكيدة لنهاية الصحافة الجادة والمستقلة وظهور صحافة خدام المخزن الاوفياء.
![]()
