الأزمة الداخلية للنقابة الوطنية للصحافة دخلت مرحلة أكثر تعقيدا وانحرافا بعد فضيحة الشريط المسرب وكذا إشهار بطاقة الطرد في حق يونس مجاهد من طرف لجنة الأخلاقيات بينما سارعت حنان رحاب إلى تقديم الاستقالة قبل صدور قرار مشابه في الملف المعروض على ذات اللجنة والتي حتما سيعرف النهاية ذاتها لأسباب لها علاقة بمحاولات هذه الأخيرة خلق جبهة داخلية لاستهداف وزير الاتصال.
فالأزمة التنظمية عميقة ومتشعبة لها جذور وتبعات وتراكمات وانقسامات وحرب المواقع والتحالفات والأقطاب وجاء شريط المهداوي المسرب ليعري جانبا من ممارسات لجنة الأخلاقيات التي تحتاج قطعا إلى دروس الدعم والتقوية لفهم معنى الأخلاق والقيم الإنسانية ومعنى تحمل مسؤولية أخلافية في قطاع يحتاج إلى رجالات يحركهم الضمير المهني ويحتكمون إلى القوانين الداخلية وسلطة العقل وليس للتعليمات والموالاة لجهة معينة تعرف كيف تكافئ خدامها الأوفياء واتخاذ قرارات عدائية وجاهزة لتكميم أفواه المخالفين لتوجهات سياسية وسلطوية وغيرها من القطاعات الحكومية التي اخترقت القطاع الإعلامي وحولت بعض المنابر إلى أبواق للدعاية وتمجيد سياسي مشكوك في قيمته مقابل امتيازات ودعم سخي لتسويق منجزات وهمية وتحريف الحقيقة.
شريط الفيديو المسرب خلط الأوراق وقلب الطاولة على المجلس الوطني للصحافة برمته وكشف حقائق مغيبة عن رجالات لا يحترمون أي احد ويتطاولون بعنجهية مفرطة على مؤسسات ومسؤولين والانتقاص منهم بعبارات قاسية وما بالنا بالتعامل مع صحافي اعزل ارتكب أخطاء أثناء الممارسة الإعلامية وتحامل عليه الجميع لسحقه وإرساله إلى السجن بدون رحمة ولا شفقة مما رفع من منسوب التذمر وسط قبيلة الصحافيين وأدى بسرعة كبيرة إلى انهيار كلي للثقة في اللجنة وباقي الحلقات المشرفة على قطاع الصحافة بالمغرب .
ورغم محاولة مجاهد تقديم تبريرات من وجهة النظر الخاصة عن شريط الفيديو للرد على عبد الله البقالي الذي استطاع تقديم حقائق مغيبة وتحدث عن الاستهداف والحرمان من البطاقة المهنية لكن ذلك لم يكن كافيا لامتصاص الغضب المتصاعد والمتنامي بالنظر إلى النقاش الذي فتحه الشريط المسرب الذي هدم المعبد ولا يمكن بأية حال في الوقت الحالي على الأقل القيام بعمليات ترميم وبرنقة للبيت الداخلي المتصدع والمتشقق لفرض الانضباط والتقيد بالقوانين الداخلية المنظمة للمؤسسة دون القيام بعمليات تطهير داخلي لان المسؤولية الأخلاقية تقتضي تقديم استقالة جماعية وتقديم اعتذار من اللجنة المنتهية الصلاحية للجميع لأنها فقدت الشرعية وكذا الحيادية احترما لذكاء المغاربة واحترما للمهنة المقدسة والنبيلة.
فهل يكفي طرد يونس مجاهد وحنان رحاب من النقابة لتضع الحرب الداخلية والخارجية أوزارها ويتم حل جميع المشاكل المطروحة التي تحتاج قطعا إلى نقاشات أفقية وعمودية هادئة يشترك فيها جميع المعنيين على المستوى الوطني لتصحيح المسار والانطلاق انطلاقة سليمة وهادفة تخدم في العمق القضية الإعلامية في شموليتها.
المرحلة الحالية تحتاج إلى فريق متمكن قادر على تجميع وتذويب الخلافات وراب الصدع الداخلي بحاجة إلى فريق مستقل في التفكير والتدبير قادر على تجاوز الأزمة و تجدير المصداقية والثقة والاحترام مع تقديم الفارق والتخلص التدريجي من هيمنة بعض المنابر المحسوبة على المؤسسات الحكومية احتراما للقارئ وحرية التعبير التي أصبحت معلبة تخدم جهة واحدة بدل خدمة عموم الشعب الذي يؤدي أجور المقاولات الإعلامية.
إن طرد مجاهد ليس سوى نقطة صغيرة في صهريج راكضة مياهه ولا يعد نهاية الأزمة التي تعاني منها الصحافة الوطنية بل بداية أزمة حقيقية من الجدب والشد والكر والفر والمؤامرات والدسائس و الكولسىة والتعتيم الذي يخدم في العمق نفس التوجهات لربما تهريب الإطار أو إغراقه بأشخاص نسخة طبق الأضل من لجنة الأخلاقيات المنتهية الصلاحية التي لا نعتقد ان الجهات المحركة للمشهد الصحافي ستمنحهم المزيد من الوقت والحركة لأنهم أوراق محروقة وحتما سيتم استبدالهم بفريق اكثر انبطاحا وتنفيذا للتعليمات لكن ذلك لن يساهم طبعا في معاجلة الإشكالات المطروحة ولن تمكن على القريب من تخليص القطاع الإعلامي من التبعية للمؤسسات السياسية ما لم تحقق الاستقلالية الكاملة عبر فك الارتباط مع الجهات المتحكمة في مصادر التمويل وصولا إلى التنظيم الذاتي الحقيقي وليس الناقص والمرتهن .
![]()
