بقلم : محمد بنعبد الله -لم يعد السؤال في احسن بلد في العالم ، من يفضح الفساد…؟ انما أصبح من يجرؤ على الاقتراب منه…؟

في السنوات الأخيرة، تحولت قاعات المحاكم إلى محطة مألوفة في مسار عدد من الصحافيين، وأصبحت تهم مثل الابتزاز والتشهير ونشر اخبار كاذبة تمس الحياة الخاصة تتردد في كل مرة يثار فيها ملف إعلامي مثير للجدل. وبين من يرى في ذلك تطبيقا صارما للقانون، ومن يعتبره رسالة تخويف موجهة إلى كل صحافي يقترب من مناطق النفوذ، تبقى الحقيقة الكبرى أن مناخ العمل الصحافي يعيش مرحلة غير مسبوقة من التوتر والقلق. ولا أحد يجادل في أن الابتزاز جريمة تستحق العقاب، وأن الصحافة الحرة والمستقلة لا تمنح أصحابها امتيازا فوق القانون. لكن لماذا يشعر كثير من الصحافيين بأن ثمن التحقيق في ملفات الفساد قد يكون حريتهم أو مستقبلهم المهني…؟ ولماذا أصبح مجرد فتح ملف حساس كافيا لإدخال صاحبه في دوامة من الشكايات الكيدية  والمتابعات والتحريض واستعمال السلاح الابيض …؟ إن أخطر  ما يصيب  المجتمع في مقتل ليس وجود صحافي فاسد، انما أن يخاف الصحافي النزيه والمشاكس  من القيام بواجبه  ويتم استدراجه من طرف لوبيات الفساد بحجة فتح حوار او تقدجيم معلومات ليقع في المصيدة المعدة سلفا. فحين يسود الخوف من الانتقام والقصاص لا ينتصر القانون،  انما ينتصر الصمت، ويصبح الفساد أكثر اطمئنانا ويمارس الرعي الجائر في اوال الشعب بدون خوف من الفضح، لأن من يراقبه  ويفضحه بالكلمة الهادفة والمسؤولة بات منشغلا بالدفاع عن نفسه امام العدالة.

أنتج هذا الواقع المتقلب والمشحون إعلاما حذرا، يتجنب الاقتراب من الملفات الثقيلة، ويفضل الأخبار السطحية على التحقيقات العميقة.  وهذه الطريقة  تقتل الصحافة  الجادة ليس بالمنع المباشر،  انما ترهق بكلفة التقاضي، والخوف من المتابعة، وضغط التشهير المضاد، حتى تصبح الرقابة الذاتية أشد قسوة من أي رقابة رسمية.

والمفارقة الغريبة والعجية في ذات الان  أن الدولة الديمقراطية التي تسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات تحتاج إلى صحافة قوية أكثر من حاجتها إلى صحافة صامتة تعزف على نغمات ( العام زين) وتمجد الفساد والمفسدين. فالصحافي الذي يكشف اختلالا لا ينافس القضاء ولا يتدخل في دوره المهم والاساسي في بينة المجتمع المتحضر، انما  يسلط الضوء على وقائع تستحق فتح  التحقيقات افقيا وعوديا . ويبقى القضاء الجهة المخولة للفصل فيها وفق القانون.

في مقابل هذه الاكراهات والتضييق الظاهر والخفي، تقع على الصحافة مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية. فمن يبتز باسم المهنة، أو يحول المنبر الإعلامي إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو تحقيق المكاسب، لا يدافع عن حرية الصحافة، بل يطعنها في الصميم ويمنح خصومها الاشداء والمتربصين الذريعة لتشويهها. و المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الدولة والصحافة، ولا بين القضاء والإعلام، انما بين من يؤمن بأن حرية التعبير تبني المؤسسات و المعلومة حق للمواطن، ومن يرى أن كشفها تهديد للمصالح والنفوذ.

لا يمكن بناء دولة حديثة بصحافة خائفة ومتقوقعة ومنحصرة تستهلك الملفات  الهامشية، ولا يمكن إقناع المجتمع بأن محاربة الفساد أولوية وكل من يقترب من ملفات حساسة في اجهزة التدبير والتسيير  يشعر بأنه قد يصبح المتهم الأول. فحرية الصحافة ليست شعارا للاستهلاك السياسي وتسويق الصورة لدى الدولى الاخرى الصديقة والحليفة والاعداء ،  انها ميزان يقاس به احترام دولة القانون والمؤسسات. فهل نريد في الوطن الذي يبني نموذجا عصريا  صحافة قوية ونزيهة تراقب السلطة وتحاسبها، أم صحافة تراقب خطواتها نحو المحكمة قبل أن تنشر الحقيقة….؟

Loading

شارك: