عبر العالم  تتسابق فيه المدن  إلى توسيع المساحات الخضراء لمواجهة موجات الحر والتغيرات المناخية، تبدو الخميسات وكأنها اختارت التفرد والخروج عن القاعدة  عن  طريق الاكثار من  الإسمنت الذي يبتلع كل شيء، حتى حق المواطنين في الظل. ومع كل صيف تتحول المدينة إلى كتلة من الحرارة. الأرصفة الملتهبة، والساحات المكشوفة، والشوارع التي تكاد تخلو من الأشجار ناهيك عن الازقة العارية، صور كئيبة  ترسم مشهدا لمدينة دفعت ثمن سنوات من غياب التخطيط البيئي، ومن سياسات لم تجعل الإنسان في قلب التنمية ولا وجدت مسؤولا قادر عل وقف العبث والتخطيط والتدبير القاصر  لانه   لا يعقل أن يعيش آلاف السكان تحت شمس حارقة، بينما يظل التشجير آخر اهتمامات من يدبرون الشأن المحلي.

الأشجار ليست زينة تلتقط بجانبها الصور خلال الحملات الموسمية، وليست مشروعا دعائيا ينتهي بانتهاء المناسبة. إنها استثمار في صحة الإنسان والحيوان، وفي جودة الهواء، وفي حماية المدينة من الاختناق الحراري. ويبدو أن  الوعي باليئة والطبعية بصفة عامة لم يجد طريقه بعد إلى السياسات المحلية التي تشتغل بمعزل عن مطالب الساكنة ، حيث تتقدم كتل الإسمنت على حساب كل مساحة خضراء يمكن أن تمنح المدينة بعض الحياة والحيوية والجمالية.

ف كم مشروعا إسمنتيا أنجز، وكم شجرة زرعت ثم حوفظ عليها…؟ فالتشجير لا يقاس بعدد الشتلات المغروسة في يوم احتفالي، انما بعدد الأشجار التي تكبر وتمنح الظل بعد سنوات. أما أن تغرس الأشجار ثم تترك للجفاف أو الإهمال، فذلك ليس تشجيرا،  انه إهدار للمال العام والجهد يحتاج الى المسائلة والمحاسبة.

 وفي ظل هذه الاشكالات المطروحة  أين الاستراتيجية البيئية…؟ أين الحدائق الجديدة…؟ أين الأحزمة الخضراء…؟ وأين حق الأطفال وكبار السن في فضاءات تقيهم لهيب الصيف…؟ فمدينة بلا أشجار ليست فقط أقل جمالا، بل أقل قدرة على الحياة. والتنمية لا تقاس بعدد الأرصفة والساحات المكسوة بالإسمنت المسلح والخرسانة، انما بقدرة المدينة على توفير بيئة سليمة لسكانها. وكل مشروع عمراني يتجاهل البعد البيئي  يعتبر مشروعا ناقصا، مهما بلغت كلفته ومهما كثرت حوله خطابات الإنجاز.

إن الخميسات لا تحتاج الى المزيد من الاسمنت المسلح الذي اجهز على المناطق الخضراء ، انما إلى ثورة خضراء حقيقية، تبدأ بإعادة الاعتبار للشجرة باعتبارها مرفقا عموميا لا يقل أهمية عن الطريق والإنارة وشبكات الماء. فالشجرة تحمي صحة المواطن، وتخفف من آثار التغير المناخي، وتعيد للمدينة جزءا من روحها التي أضاعها الإسمنت. ثم  هل ستظل  الخميسات مدينة تذوب تحت الشمس الحارقة كل صيف ، أم أن هناك من يمتلك الشجاعة ليعترف بأن المدينة دفعت ثمن سنوات من إهمال البيئة، وأن الوقت قد حان لتصحيح المسار قبل أن يصبح الحر عنوانا دائما لفشل التخطيط وفشل المسؤولين في تدبير  ملف البيئة.

Loading

شارك: