القول بان فشل مسؤولي الاقليم في معالجة اختلال صغير ينسف امال الاستثمار والاصلاح ليس مجرد تشاؤم، انه قراءة واقعية في بنية الإدارة المحلية والاقليمية. فعندما تتحول تفاصيل تقنية او ادارية بسيطة الى معضلات مزمنة، فان المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، انما في ازمة العقلية التدبيرية وغياب ثقافة المسؤولية.
المستثمر لا يقرأ فقط خطط التنمية الكبرى او العروض الجذابة التي يقدمها المسؤولون انه يراقب المناخ من خلال تفاصيل مجهرية. اذا كان المسؤول المحلي او الاقليمي عاجزا عن تسوية وعاء عقاري، او تبسيط مسطرة ادارية روتينية، او اصلاح بنية تحتية مهترئة في حي صناعي او تحرير الملك العمومي من الاستغلال غير القانوني او معالجة الانارة العمومية في الشوارع والازقة، فكيف سيثق المستثمر في قدرة المسؤولين على حماية مشروعه الكبير او مواجهة تحديات السوق المعقدة…؟
الاختلال الصغير اختبار حقيقي للادارة. اذا فشلت الإدارة في الاختبار البسيط، فان المستثمر يدرك فورا ان مخاطر التشغيل ستكون عالية جدا، مما يجعله يهرب برؤوس امواله الى وجهات توفر اليقين الاداري. في الكثير من الاحيان يظهر باقليم الخميسات ان الادارة تعاني من حالة من الشلل المخدوم ناتجة عن عمليات تغليب منطق المسطرة على منطق النتيجة حيث يصبح الهدف الأساسي حماية الذات من اي مساءلة قانونية محتملة بدل البحث عن حلول مبتكرة للمشاكل وغياب الحس المقاولاتي، اذ يفتقر المسؤول المحلي او الاقليمي غالبا الى فهم عقلية المستثمر، ويرى في القطاع الخاص عبئا او طرفا غريبا بدلا من اعتباره شريكا اساسيا في التنمية. ومن المعضلات التي تواجه الاستثمار ثقافة تمرير الكرة حيث يؤدي التخوف من تحمل المسؤولية الى اطالة امد القرارات البسيطة عبر لجان ومراسلات لا تنتهي ما يقتل روح الاصلاح في مهدها.
الاصلاح لا يمر عبر الندوات والاجتماعات وانما من خلال الانجازات الملموسة وعندما يعجز المسؤول عن معالجة اختلال صغير فانه يرسل رسالة سلبية للمواطن وللمستثمر على حد سواء مفادها ان بالمنطقة لا تتغير الامور. هذه القناعة المتجذرة لدى المجتمع المحلي والاقليمي تعد صراحة اكبر عدو للاستثمار. فالاستثمار يحتاج الى بيئة حاضنة واذا لم تكن الإدارة المحلية والاقليمية قادرة على ادارة شؤونها اليومية بكفاءة فمن المستحيل ان تنجح في قيادة مشاريع إستراتيجية تتطلب تنسيقا بين قطاعات متعددة.
لا يمكن انتظار الاستثمار في ظل إدارة عاجزة عن الإصلاح الذاتي ويتطلب الامر تغييرات جوهرية تبدا اولا بربط المسؤولية بالمحاسبة الحقيقية بحيث لا يتم تقييم المسؤولين بناء على التقارير السنوية انما على أساس حلحلة المشاكل الميدانية العالقة ولا باس من تبني الإدارة بالنتائج الظاهرة عبر منح المسؤولين المحليين هامشا من الحرية في اتخاذ القرار مقابل محاسبتهم على الأداء والمخرجات، وليس فقط على احترام الشكليات وذلك يتأتى طبعا عبر رقمنة الخدمات حيث يعتبر تقليص العنصر البشري في المساطر الإدارية الحل الوحيد لتجاوز عقلية العرقلة والبيروقراطية الموروثة.
ان الاستثمار في عمقه هلامي و جبان، يهرب من الأقاليم التي تسود فيها ثقافة التسويف والارتباك الإداري. الإصلاح ليس قرارا مركزيا كبيرا بقدر ما هو تراكم لقرارات صغيرة شجاعة يتخذها مسؤولون يدركون ان وظيفتهم الاساسية تسهيل الحياة لا تعقيدها. إذا استمرت الإدارة المحلية والاقليمية في التعثر في الملفات الصغيرة فسيظل الحديث عن الاستثمار مجرد حبر على ورق.
حلاصة القول لا تغتروا بتلك العناوين الصارخة في صحف الدعاية لانها في العمق ليست سوى طلاء وبرنقة على جدران هشة، يرفعون الحروف لتغطية الحقيقة، ويصنعون ضجيجا عاليا ليسكتوا صوت الضمير ويمنعون من طرح الاسئلة العميقة.
![]()
