بقلم : ال عشاق –نعتقد انه امام غياب الثقة و تاكل الديمقراطية لم تعد هناك حاجة لاستخدام لغة الدبلوماسية الناعمة أو التستر خلف شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة المفرغة من محتوها، فالمشهد السياسي يمر بمنعطف حاسم ومخاض عسير يكشف عن أزمة ثقة غير مسبوقة بين المواطن ومؤسسات التمثيل السياسي. على مقربة من الاستحقاقات التشريعية المقبلة،
تتجه الأنظار بقلق شديد إلى كواليس الإدارة الترابية حيث تتجسد أخطر تهديدات المسار الديمقراطي والمتمثلة الخوف من عودة شبح هندسة الخريطة السياسية وتفصيل المقاسات الانتخابية على ظهر مصالح أوليغارشيا سياسية استطاب له احتكار المشهد لعقود من الزمن مما قط الطريق على الكوادر والكفاءات الشابة. إن إجراء حركة تنقيلات واسعة وجذرية وعميقة في صفوف الولاة والعمال لم يعد مجرد إجراء إداري روتيني لتجديد الدماء، انه ضرورة وطنية قصوى وخطوة إسعافية أولى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مصداقية المسار الانتخابي برمته وهذه التنقيلات على الاقل ستمنح السلطات صكوك البراءة من التدخل في الانتخابات.
تكشف التجربة السياسية المريرة أن بقاء ولاة وعمال في مناصبهم الحساسة لنفس الجهات والأقاليم لفترات طويلة يخلق شبكات معقدة من العلاقات طبيعي ان يحضر فيها نوع من تبادل المصالح المعقدة والمتشابكة يتحول فيها رجل السلطة الذي يفترض فيه أن يكون حكما نزيها ومحايدا يسهر على تطبيق القانون وحماية الاختيار الديمقراطي الى موظف مشكوك فيه والتجارب السابقة كشفت عن اختلالات قوية في هذا الباب ادت الى اعادة الانتخابات بسبب الاختلالات والطعون والامثلة كثيرة ومتنوعة ، فالمسؤول الاول على الاقليم او الجهة في نظر الساكنة المهندس الخفي الذي يتفنن في رسم الخرائط الانتخابية ويزكي الأسماء ويقصي الكفاءات الحقيقية ليفسح المجال أمام وجوه محروقة سياسيا طالما أثقلت كاهل المشهد بالعبث وضرب اختيارات الناخبين وحان الوقت لمحو الصورة السلبية باجراء حركة تنقيلات واسعة قبل الاستحقاقات الدستورية .
إن أسماء معينة في جسم السلطات أصبحت تعرقل تقعيد الديمقراطية وتتدخل في ديكور الانتخابات وتتبادل الأدوار وتتحصن خلف شبكات نفوذ ترابية تجعل من المستحيل الحديث عن منافسة شريفة في ظل التوجيه المبطن والتدخل السافر في صناعة النخب المحلية، ما يعطل إرادة الناخبين ويفرغ صناديق الإقطاع من مضمونها الديمقراطي المأمول في ظل تغيب تام للشفافية وفتح الباب واسعا أمام المال الفاسد لشراء الذمم وتوجيه أصوات القوة الناخبة نحو خيارات لا علاقة لها بتطلعات الشارع.
إن استمرار الوضع الحالي بنفس الاساليب والطرق لا يعبد الطريق سوى لمقاطعة شعبية واسعة وعزوف سياسي غير مسبوق ما يعكسه بوضوح فقدان الثقة التام في جدوى الانتخابات والمجالس المنتخبة. الشعب ليس قاصرا سياسيا وقوته الناخبة واعية وقادرة على التمييز بشرط أن يرفع عنها كابوس التحكم الإداري والتوجيه المبرمج وتمنح صلاحيات تدبير الاستحقاقات الدستورية للقضاء ، فالأصل في الديمقراطية الحقيقية أن تبدأ من ضمان مسافة واحدة بين الإدارة الترابية وجميع المتنافسين والتصدي بحزم لكل محاولات إعادة تدوير الوجوه البائدة التي تحاول العودة عبر نوافذ الكواليس. لا مكان للحلول الترقيعية أو التنقيلات الصورية التي تعيد تدوير نفس العقليات في أماكن أخرى، فاللحظة السياسية الراهنة تفرض بوضوح إحداث زلزال إداري ترابي يبعد كل المسؤولين الترابيين الذين عمروا طويلا في نفس الدوائر او الذين أقاموا تحالفات غير بريئة مع لوبيات الفساد الانتخابي وفرض الحياد المطلق ومحاسبة قاسية لكل من تثبت تورطه في محاباة جهة سياسية على حساب أخرى لترك الباب مفتوحا أمام النخب الجديدة وترك القوة الناخبة تعبر عن إرادتها الحرة بلا ضغوط ولا إكراهات لتطهير المشهد من ديناصورات الانتخابات الذين أساؤوا للوطن والمواطنين.
إن الاستحقاقات التشريعية القادمة ستكون امتحان حقيقي لمصداقية الدولة في محاربة الفساد السياسي، فإما ديمقراطية حقيقية تعيد للمواطن كرامته وثقته أو استمرار لنفس السيناريوهات العبثية التي لن تزيد المشهد إلا تأزما وخرابا.
![]()
