في عتمة الليل، حين تنام المدن ويغفو الشجر، يستيقظ على شواطئنا وجع لا تنام عيناه. أطفال في عمر الزهور، فتيات بأحلام لم تتفتح بعد، فتيان بعزائم كسرتها الحيرة، وحتى عائلات بأكملها تتشبث ببعضها البعض، يرمون بأجسادهم الغضة في جوف البحر المظلم، سباحة نحو سبتة ومليلية المحتلتين.

كيف لقلب صغير أن يطرق باب الموج المالح ولا يخاف الغرق…؟ أي نوع من الخوف الذي يجعل الظلمة والقاع والأمواج العاتية أرحم في عيونهم من السواحل التي ولدوا عليها….؟

يقولون إننا نعيش في أجمل بلد في العالم… وجبالنا تتوجها الشمس، وبحارنا تتعانق مع السماء، وأرضنا تنبت الخير والجمال. لكن الجمال، حين يتشح بالحاجة، يصير جدارا باردا لا يدفئ أحدا. أي وجع  قاسي الذي يجبر طفلا على أن يفر من أحضان أمه الأولى الوطن ليبحث عن دفء مستعار خلف أسوار حديدية غريبة…؟

إنهم لا يهربون طمعا في رغد العيش ،  انما يهربون بحثا عن معنى للحياة في الضفة الاخرى . يهربون لأنهم شعروا بحس أطفالهم المرهف أن الغد  في المغرب نسي أن يبتسم لهم، وأن أحلامهم الصغيرة أكبر من الشريان الذي يغذيها. يركضون نحو المجهول، لأن المعلوم لديهم بات يشبه الانتظار الأبدي على أرصفة الخيبة. لا يخافون الغرق في البحر الابيض المتوسط ، لأنهم يخشون غرقا أشد قسوة، غرق الأمل وهم أحياء.

إن النزيف اليومي ليس مجرد أرقام في نشرات الأخبار، ولا مجرد حراسة لمركبات الحدود، إنه صرخة في وجه الروح. وإذا استمر الليل يتشرب شبابنا وطفولتنا، وتواصل الهرب الرهيب الى بلدان الحرية والخبز ، فماذا سيبقى للبلد الجميل…؟ هل سنصحو يوما لنجد المغرب قد تحول إلى دار للعجزة…؟ دار خاوية إلا من ذكريات شيوخ يجلسون على عتبات البيوت، يتهامسون بأسماء أطفال عبروا الموج ولم يعودوا…؟

الوطن ليس مجرد جغرافيا ونصوص، الوطن ضحكات أطفاله في الأزقة، شغف الشباب في  الشوارع والاحياء وفي المدارس والادارات، الأمل الذي يزهر في عيون صغاره. وإذا لم نتحسس قلوب الأطفال ونحتضن أحلامهم قبل أن يحتضنها الموج، سنستيقظ يوما لنكتشف أننا خسرنا أغلى ما نملك… خسرنا المستقبل.

فالسياسة قد تعثرت خطواتها مند الاستقلال ، وعجزت عن غرس بذور الاستقرار في تربة أرهقها الانتظار، كما أن القوانين الرادعة لم تزد أبناء الطبقات الكادحة إلا ضيقا، محاصرة أحلامهم البسيطة، ومتجاهلة حنطتهم اليومية وحقهم الأصيل في عيش كريم.

إن القلوب لا تحكم بالأغلال، والأمل لا يبنى بالوعود الجافة، وحين يسد كل شباك أمام نظرة الحالمين، يغدو الموج الشاسع أوسع من كل القوانين. رفقا بأطفالنا، رفقا بزهور هذا الوطن، افتحوا لأحلامهم الأبواب قبل أن تسرقهم الشواطئ، وامنحوهم دفئا في أرضهم كي لا يبقى البحر الملاذ الوحيد للحالمين.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.