انتقل يونس مجاهد  الرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة،في تحول لافت في مواقفه الرسمية من موقع المدافع عن الإطار القانوني المؤطر لعمل المجلس خلال فترة ولايته إلى موقع المنتقد الجذري لبنيته وفلسفته. ويأتي التطور من خلال دراسة حديثة نشرت في مجلة فيض للعلوم الاجتماعية تحت عنوان المجلس الوطني للصحافة التنظيم الذاتي ونظام هيئات المهن الحرة، لتفتح النقاش من جديد حول أزمة التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب.

يرى مجاهد في دراسته أن المشرع المغربي أفرز عبر القانون المنظم لإعادة هيكلة المجلس هيئة هجينة غير منسجمة وتتجلى الإشكالية الأساسية في الجمع بين وظيفتين متباينتين، تتمثل الأولى في ضبط الولوج والتدبير الإداري ومنح بطاقة الصحافة بينما تتمثل الثانية في التنظيم الذاتي الأخلاقي والسهر على حماية أخلاقيات المهنة وميثاقها الشرفي. ويؤكد الرئيس السابق أن المزج أدى إلى تراجع وظيفة الأخلاقيات إلى الخلف، وطغيان الإشكالات الإدارية المرتبطة ببطاقة الصحافة على واجهة العمل اليومي للمجلس، بخلاف الأهداف الكونية لمجالس الصحافة التي ترتكز أساسا على صون أخلاقيات العمل الإعلامي.

واحدة من أبرز خلاصات الدراسة تتمثل في رفض إسقاط نموذج المهن الحرة الكلاسيكية، مثل المحاماة والطب والصيدلة على قطاع الصحافة. ويوضح مجاهد أن الصحافي بصفته أجيرا داخل مؤسسة إعلامية، لا يتمتع بالاستقلالية التعاقدية الكاملة لطبيب أو محام، كما أن علاقته بالجمهور تمر عبر وسيط مؤسساتي. وبناء على ذلك، فإن مجالس الصحافة الدولية تستند إلى التنظيم الذاتي والتوافق الطوعي بين الصحافيين والناشرين بمعزل عن القوالب الجامدة لهيئات المهن الحرة.

يثير الموقف الجديد تساؤلات حول التناقض بين الخطاب الحالي ومواقف مجاهد السابقة، إذ سبق له أن وصف الانتقادات الموجهة لمشروع القانون آنذاك بالمزايدات، مدافعا بشراسة عن المقاربة التشريعية المعتمدة. غير أن مغادرته لموقع المسؤولية بعد نحو ثماني سنوات من القيادة أفرزت قراءة مغايرة، تعتبر أن بنية المجلس عجزت عن الاستجابة للمعايير الدولية المتعارف عليها في التنظيم الذاتي المستقل. ويرى منتقدون أن حصيلة ولاية مجاهد شهدت مؤشرات سلبية تمثلت في تفاقم خروقات أخلاقيات المهنة وانتشار ظواهر كالتشهير وانتهاك الحياة الخاصة، ما يعكس أن الإشكال لا يتعلق فقط بالنصوص القانونية والتشريعية انما  يرتبط أيضا بتنزيلها وطبيعة التدبير المؤسساتي خلال تلك المرحلة.

يخلص مجاهد في دراسته أن إصلاح قطاع الصحافة في المغرب لا يمكن أن يتم عبر ترقيعات جزئية أو إعادة توزيع للاختصاصات انما  يتطلب مراجعة فلسفية وتشريعية جذرية تفصل فصلا تاما بين مهام ضبط الولوج المهني وبين حماية الاستقلالية الأخلاقية للصحافة، مع الاستناد إلى المنهج المقارن للاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في مجال التنظيم الذاتي.

Loading

شارك: