ليست المشكلة في أن يكون أحد أطراف النزاع بغلمانيا أو شخصية  عموميية فالجميع سواسية أمام القانون. المشكلة تبدأ عندما يتحول النفوذ إلى وسيلة للتأثير في النقاش العمومي ومحاولة اضطهاد مواطن انتصرت له العدالة، ويصبح مجرد حصول مواطن على حكم قضائي سببا لتعرضه للتقريع والتشكيك ومحاولة  جره الى مستنقع الخصوصيات، وتتسابق بعض الأصوات إلى تبرئة ممثل الشعب في محكمة الرأي قبل أن  تنفذ كلمة القضاء ويستوفي الحكم مراحل التقاضي كاملة ويمر الى مرحلة التبليغ والتنفيذ.

إن أخطر ما يهدد دولة الحق و القانون ليس الطعن في الأحكام عبر المساطر القانونية، فهذا حق يكفله القانون، وإنما محاولة إفراغ الأحكام من قيمتها المعنوية عبر خطاب يوحي بأن صفة المنتخب أو البغلماني تمنح صاحبها امتيازا سياسيا أو أخلاقيا يفوق حقوق المواطنين ويصبح المتقاضي نفسه ضحية  صعوبة التفيذ.

فأي رسالة توجه إلى الناس عندما يرون أن المتقاضي الذي طرق ابواب القضاء دفاعا عن حق مشروع في التعويض عن الطرد التعسفي ومهلة الاخطار و سنوات العمل مستخدما في شركة البغلماني، بدل أن يحترم لتمسكه بالقضاء، يجد نفسه في قفص الاتهام…؟ وأي ثقة يمكن أن تبقى في المؤسسات إذا أصبح ميزان النقاش يميل إلى المكانة السياسية لا إلى قوة الحجة وحجية الأحكام…؟

إن الديمقراطية لا تقاس بعدد المقاعد البغلمانية وعدد الولايات التي تربع فيها ممثل العشب على كرسي  القبة التشريعية،  انما بمدى استعداد المنتخبين للخضوع للقانون مثل باقي المواطنين. فالصفة التمثيلية ليست درعا ضد المساءلة ولا مبررا للتقليل من قيمة الأحكام القضائية أو ممارسة ضغوط معنوية على من لجأ إلى القضاء.

المطلوب اليوم ليس الانتصار لهذا الطرف أو ذاك  ولايهمنا صفته ولا موقعه في الخريطة السياسية ولا حجم ثروته ومدى ارتباطه بتدبير الشان المحلي انما  الانتصار لمبدأ بسيط وواضح ، لا أحد فوق القانون، ولا يجوز تحويل النفوذ السياسي إلى وسيلة للتأثير في نظرة المجتمع إلى المتقاضين أو إلى الأحكام القضائية.

وحين يصبح الدفاع عن مسؤول أقوى من الدفاع عن هيبة القضاء فإن الخاسر الحقيقي ليس المتقاضي وحده في هذه المعادلة الصعبة والمعقدة،  انما فكرة العدالة نفسها، وثقة المواطن في أن المؤسسات تحمي الحقوق بمعيار واحد لا بمعيار النفوذ والمكانة.

Loading

شارك: