بقلم : محمد الفقير –في الدول التي تحترم نفسها، لا يقاس نجاح المسؤول بعدد الاجتماعات التي يعقدها ولا بحجم البلاغات التي يصدرها والميزانيات التي يتصرففيها وحجم المشاريع المقترحة ، وإنما بقدرته على فرض القانون على الجميع بدون استثناء، و العمل الذؤوب على تصحيح الاختلالات في الادارة القريبة والبعيدة، لاستعادة ثقة المواطن. أما حين يتحول المسؤول إلى مجرد مدير للأزمة بدل أن يكون صانعا للحلول التي تتطلبها المرحلة، فإن المؤسسة تدخل أخطر مراحلها، مرحلة التطبيع مع الفشل.
الكارثة ليست في وجود اختلالات في مؤسسات الشعب، فكل المؤسسات تعرفها. الكارثة أن تصبح تلك الاختلالات جزءا من المشهد العام الذي يتم التعايش معه باعتباره اشكالا عابرا ومرحلي ، وأن يفقد المسؤول الأعلى في مؤسسة معينة القدرة و الإرادة، على اقتلاع الفساد من جذوره. يصبح الإصلاح والتغيير وتجويد الخدمات مجرد كلمة تستهلك في الخطب، بينما الواقع يزداد تآكلا، وتترسخ ثقافة الإفلات من المسؤولية.
المواطن الذي يستنفد كل المساطر القانونية، ويطرق كل الأبواب، لا يبحث عن امتياز، انما عن حق تكفله القوانين. وعندما تصطدم مطالبه بجدار الصمت او اللامبالاة، أو بدوامة من التأجيل والتبرير، فإنه لا يفقد قضية فحسب، يفقد ثقته في المؤسسة نفسها وهذه أخطر خسارة يمكن أن تتكبدها أي إدارة عمومية تمول باموال الشعب.
المؤسسات لا تسقط بسبب قلة الإمكانيات وقلة الموارد البشرية والكوادر والاطر المتمكنة، وإنما حين يغيب القرار الحازم والرادع الذي يرسل الاشارات بان هناك ارادة قوية للتغيير، وتتراجع المحاسبة، ويستبدل منطق الإنجاز بمنطق تدبير الوقت. عندها تتحول الإدارة إلى آلة بطيئة تستهلك الموارد وتنتج الأعذار وتؤجل الحلول، بينما يدفع المواطن العادي وحده ثمن العجز.
فإذا كان أعلى هرم المؤسسة عاجزا عن فرض الإصلاح داخلها، فمن يحمي حق المواطن؟؟؟ وإذا تعطلت آليات التصحيح من الداخل، فمن يعيد للمؤسسة هيبتها…؟ وفي ظل الاكراهات السالفة لا يمكم الحديث عن حكامة حقيقية في ظل غياب المساءلة الفعلية.
إن أخطر ما يهدد المؤسسات ليس النقد البناء والهادف الذي ينبه الى الاختلالات ويقدم مقترحات عملية، انما الاعتياد على الفشل، والاعتقاد بأن الزمن كفيل بإخفاء الاختلالات. لكن التجارب أثبتت أن المشكلات المؤجلة لا تختفي، انما تتضخم وتتفرع وتتقوى وتتتمدد، وأن الثقة المهدورة لا تستعاد بالوعود الكربونية، وإنما بالفعل والانجازات.
إن الإصلاح ليس خيارا تجميليا ولا تلميعيا، انه ضرورة وجودية للاستمرارية. والمسؤولية ليست لقبا يعلق على الأبواب، انما التزاما اخلاقيا واداريا يترجم إلى قرارات شجاعة تخدم المصلحة العامة ، ومحاسبة عادلة لجميع القرارات المنحرفة، وإنصاف للمواطن الذي يعد قطب الرحى في العملية الاصلاحية. أما حين يغيب الفعل والمبادرة، فإن السؤال الذي يؤرق ضمير الرأي العام إذا كان المسؤول الأول في ادارة عمومية عاجزا عن إصلاح مؤسسته، فما بقي للمواطن…؟ وأي باب يمكن أن يطرقه بعد أن أغلقت في وجهه أبواب الإصلاح من الداخل..؟
![]()
