بقلم : اسماء العرفاوي- إقليم الخميسات ليس مجرد رقعة جغرافية تعاني التهميش، انه مسرح لجريمة تنموية مكتملة الأركان ترتكب في واضحة النهار، اذ تبدر مقدرات الجماعات وتصرف الملايين تحت غطاء “الموروث الثقافي” و”إحياء التراث”. بينما تختنق المستشفيات بغياب الأطر الطبية والأدوية البسيطة، وتعجز البنيات التحتية الطرقية وشبكات الماء الصالح للشرب عن تلبية أدنى شروط الكرامة الإنسانية، تتفتق قريحة المجالس المنتخبة والسلطات الوصية عن إبداع فريد من نوعه، تحويل الأزمات والعجوز عن خلق الفارق إلى مواسم للرقص والتباكي على صدى البارود. أي منطق يفضل طلقات التبوريدة وصخب المنصات الغنائية على بناء مستشفى إقليمي يضع حدا لمأساة الحوامل والمرضى، أو على خلق فرص شغل حقيقية لشباب غرق في مستنقع البطالة والهجرة السرية…؟ إن صرف الملايين على مهرجانات التي نراها محطات لتفريغ الاحتقان واستبلاد الوعي الجماعي، لكنه في عمقه تدبير غير موفق للمال العام، واستخفاف صارخ بذكاء وهموم ساكنة تعاني الأمرين جراء غلاء المعيشة وتردي الخدمات الأساسية.
إنهم لا يدافعون عن التراث ولا يحمون الهوية، انما يتاجرون في التاريخ والحضارة ليتحول الإقليم تحت وطأة العبث إلى مجرد “كارت بوسطال” باهت بلا روح ولا تنمية، كارت يستعمل في المواسم الانتخابية ليرمى في ركن الإهمال طيلة السنة. انه الاستهتار بأبناء الخميسات وأصبح لزاما تسمية الأمور بمسمياتها دون مساحيق تجميلية ، فما يصرف على المهرجانات ليس استثمارا ثقافيا انما تبديد ممنهج لفرص التنمية، وجريمة اقتصادية واجتماعية تعمق هوة التهميش وتكرس التبعية العمياء لسياسات الفقر المجدول، وكأن المطلوب إبقاء الساكنة غارقة في السطحية ومغيبة عن محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن الخراب الممنهج الذي يحول إقليم الخميسات إلى شبه منطقة منسية لا تنبض بالحياة إلا حين يسمع دوي البارود، لتطفأ الأنوار بعدها ويعود شبح الموت البطيء ليسكن من جديد كل زاوية من زوايا هذا الوطن الجريح.
لا مناقشة في أن التراث والتبوريدة جزء لا يتجزأ من هويتنا وذاكرتنا الجماعية، لسنا ضد الموروث الثقافي في حد ذاته، انما نؤمن بأن الاعتزاز بالهوية ركن أساسي من أركان الانتماء. غير أن الجوهر الحقيقي للإشكال يكمن في ترتيب الأولويات ومعيار العقلانية في تدبير الشأن العام. فالمواسم ومهرجانات التبوريدة لا يمكن أن تصبح مبررا لإهدار المال العام أو استنزاف ميزانيات الجماعات المحلية إلا في حالة واحدة وحيدة، أن يتحقق الاكتفاء الذاتي الشامل أولا، الاهتمام بالبنيات الأساسية الضرورية التي تضمن لساكنة الإقليم العيش الكريم من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وتشغيل. حين تكون المستشفيات مجهزة وتغطي الحاجيات، وتكون الطرق والمرافق الحيوية في أتم الاستعداد، وتجد الفئات الهشة سبل العيش الكريم، يصبح الحديث عن تخصيص الفوائض المالية للاحتفاء بالتراث أمرا مشروعا ومقبولا. أما أن يترك الجسد الاجتماعي ينزف من غياب أبسط شروط التنمية، وتخصص الملايين لصخب المواسم باسم الثقافة، ليس سوى قلب مفضوح للحقائق وتكريس مقيت للعبث الإداري والسياسي الذي يجعل من الفلكلور غطاء لتغطية عجز التسيير وغياب الرؤية التنموية الحقيقية.
![]()
