بقلم : رانية بلقاسم –ليس الوطن جدارا يشيخ ولا كرسيا يتكلس تحت أجساد غادرها الشغف منذ عقود، الوطن نهر دائم الجريان إن ركد ماؤه أسن، وإن حجب عن الرياح الجديدة مات خنقا. نحن لا نتحدث عن مجرد تغيير سياسي في صحف الصباح الموالية للراسمالية المتوحشة، انما عن صرخة أمل تشق حجب السكون، نتحدث عن تلك اللحظة الفاصلة التي يدرك فيها الوطن أنه بحاجة إلى أن ينعش جسدجه المترهل، وأن يزيح التعب عن ملامحه المجعدة، وأن يقطع بلا تردد ولا وجل مع وجوه تخشبت فوق الكراسي حتى أحالت المكاتب الرسمية إلى متحف للأزمنة الغابرة، وظنت أن التاريخ يبنى بالجمود واستدامة نفس الصور، وأن المستقبل مجرد تكرار لمشهد قديم.
كيف لوطن يحلم بالثريا أن يدار بأيدي من يخشون ضوء النهار، إن الوجوه التي استهلكتها عقود السلطة ولم تعد تملك في جعبتها سوى الحذر والتردد والحفاظ على السكون، وجوه أدت دورها في مسرح الأمس ولم تنتج سوى مشاهد من العبث والنكوص، مسرح اليوم يطالب بأبطال آخرين. إن الدولة الحديثة ليست أرشيفا للذكريات انها محرك متطور يجوب أفق المستقبل، ومن يمسك بالدفة يجب أن يمتلك عينين تريان ما وراء الأفق، لا عينين تلفهما حيرة الخوف من كل جديد. لقد صار الجمود خيانة ناعمة لطموح السواعد، وصار البقاء غير المبرر على منصات القرار جدارا عازلا بين الوطن وأحلام أبنائه، إن قطع الحبل السري مع الماضي المتخشب ليس انتقاما من شيوخ السياسة، انه فعل حب خالص للوطن وتكريم لمنطق الحياة الذي يقول لكل زمان رجال ولكل عصر فكر يفتحه.
افتحوا الأبواب اخلعوها من جذورها، أولئك الشباب الذين تفيض عيونهم بالأسئلة وتتوهج أرواحهم بالابتكار، هم ينبوع الحياة الذي يحتاجه الوطن كي يغسل عن وجهه غبار السنين. انهم ليسوا مشاريع مستقبل كما تحب اللغات البيروقراطية أن تسميهم، انهم الحاضر حين يقرر أن يكون عظيما والنبض الذكي الذي يفهم لغة العالم الجديد ويحاور التكنولوجيا ويطرق أبواب الاقتصاد الحديث دون خوف، انهم الشغف البكر الذي لم تلوثه رطوبة التوافقات الضيقة ولم تثقله حسابات المصالح المؤبدة، انهم الجرأة التي تحتاجها الدولة الحديثة لتقفز فوق العثرات وتكسر النماذج المستهلكة وتبني مجتمعا قائما على الشفافية والعطاء.
إن رهان الدولة الحديثة لا يبنى بوعود تعاد صيغتها في كل عقد، انما يبنى بجرأة القرار ورغبة صادقة في إعادة تعريف القيادة لتصبح شرفا مؤقتا ومسؤولية تتجدد لا تركة تورث أو مقعدا يتجمد عليه صاحبه. إن ضخ الدماء الشابة ليس ترفا ولا مجرد شعار، انه شرط البقاء في عالم لا ينتظر الكهولة الفكرية ولا يرحم البطء، انه السبيل الوحيد لاستعادة ثقة الشاب ليرى أنه صانع القرار في بلده، فتسقط من قلبه فكرة الرحيل ويبني بيته وثورته التنموية في أحضان أرضه. ليشرق الفجر إذن ولنتجرأ على حلم مختلف ولنفسح الطريق لتلك الأقدام الفتية كي تطأ أرض القرار، فالأوطان لا تزهو بالذكريات انما تزهو بالذين يحملون الشمس في أيديهم ويبنون للغد صرحا يليق بكبرياء الأمة، لقد حان وقت العبور فلنفتح الأبواب للرياح الشابة كي تطرد الركود.
![]()
